لم تكن أوروبا التي نعرفها اليوم هي نفسها في العصر القديم فحلم التوحد الذي ميز بلاد الغرب خاض من أجله العديد من القيادات حروب دامية أنهكت القارة العجوز ودمرت مواردها.
حلم توحيد أوروبا
فحلم توحيد أوروبا راود العديد والعديد من زعماء القارة العجوز غير أن واحد فقط تجرأ على حمل السلاح لتوحيد القارة وفرض سيطرته عليها عسريا فيما عرف بحقبة الحروب النابليونية.
حيث تُعد الحروب النابليونية سلسلة من النزاعات العسكرية الكبرى التي اندلعت في أوروبا بين 1803 و1815م، عقب الثورة الفرنسية وصعود نابليون بونابرت إلى السلطة في فرنسا.
وواجه فيها “بونابرت”تحالفات متكررة من القُوَى الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا، النمسا، روسيا، بروسيا، وإسبانيا.
الحروب النابليونية الأسباب والبدايات
جاءت الحروب النابليونية كامتداد لحروب الثورة الفرنسية، إذ أرعبت الثورات الشعبية والأنظمة الجمهورية القارة العجوز، ما دفع الدول الملكية للتحالف ضد فرنسا.
فبصعود نابليون بونابرت إلى الحكم كقنصل أول عام 1799، ثم إمبراطورًا عام 1804، أصبح الصراع يدور حول طموحه الشخصي للتوسع والسيطرة على أوروبا.
الحرب النابليونية الثالثة 1805
بدأت القصة في أعقاب تتويج نابليون بونابرت إمبراطورًا لفرنسا عام 1804، كانت تلك الخطوة بمثابة شرارة تصاعد التوترات مجددًا في أوروبا؛ فبريطانيا لم تهدأ منذ الثورة الفرنسية، وظلت تناوئ فرنسا وتجمع التحالفات.
وفي عام 1805، تشكّل التحالف الثالث الذي ضم بريطانيا، والإمبراطورية النمساوية، والإمبراطورية الروسية، ومملكة نابولي (في إيطاليا)، والسويد.
كان هدف التحالف كسر نفوذ نابليون المتزايد في أوروبا، خصوصًا بعد سيطرته على إيطاليا ودول الراين.
معركة أولم
تعد معركة أولم أكتوبر 1805 أبرز معارك الحرب النابليونية الثالثة، حيث قاد نابليون مناورة استراتيجية مذهلة، طوّق خلالها الجيش النمساوي بقيادة كارل ماك في مدينة أولم الألمانية.
وعقب تلك المعركة الملحمية استسلم الجيش النمساوي بـ 60 ألف جندي دون قتال يُذكر؛ فتح هذا النصر الطريق أمام القوات الفرنسية نحو فيينا.
دخول فيينا
في نوفمبر 1805 انسحب الجيش النمساوي سريعًا لحماية العاصمة، فيما دخلت القوات الفرنسية فيينا دون مقاومة كبيرة يوم 13 نوفمبر 1805؛ فيما لم يكن نابليون شخصيًا في مقدمة الداخلين، بل تابع تحركات جيشه عن كثب.
معركة أوسترليتز
وفي ديسمبر 1805 نجح نابليون في قهر أوروبا في معركة أوسترليتز، التي تُعد من أعظم معارك نابليون وأكثرها ذكاءً، ودارت رحى المعركة بين فرنسا بقيادة نابليون، ضد تحالف روسيا (القيصر ألكسندر الأول) والنمسا (الإمبراطور فرانز الثاني).
واستخدم نابليون في تلك المعركة خدعة تكتيكية بإظهار جناح جيشه ضعيفًا لاستدراج التحالف إليه، ثم هاجم الوَسْط بقوة ساحقة؛ النتيجة، كان مذهلة حيث خسر التحالف أكثر من 36 ألف جندي، فيما بلغت خسائر فرنسا نحو 9 آلاف جندي، ما أجبر التحالف على طلب الصلح.
تفكك التحالف الثالث
ونتيجة الحرب النابليونية الثالثة، وعقب الهزائم وقّعت النمسا معاهدة بريسبرج (Bratislava) مع فرنسا، وفقدت مساحات كبيرة من أراضيها في ألمانيا وإيطاليا؛ أكدت تلك المعركة هيمنة فرنسا الكاملة على أوروبا القارية، كما أنهت مؤقتًا مقاومة روسيا والنمسا.
الحرب النابليونية الرابعة
وبين عامي (1806-1807) برز تحالف جديد ضم بروسيا وروسيا ضد فرنسا، كانت أبرز معاركها معركة ينا وأورشتات (1806) وهزم فيها نابليون الجيش البروسي.
معركة فريدلاند
أما معركة فريدلاند (1807) أجبرت جيوش نابليون روسيا على توقيع معاهدة تيليست مع فرنسا.
حملة شبه الجزيرة
وببين عامي (1808-1814) تدخل نابليون في إسبانيا والبرتغال، ما أشعل مقاومة شعبية شرسة، سُميت بـ”حرب العصابات”، بينما تدخلت بريطانيا بقيادة دوق ولينجتون وحققت انتصارات متتالية.
الحرب النابليونية الخامسة
وفي عام (1809) اندلعت الحرب مجددا عقب أن تمردت النمسا ودارت رحى المعارك التي أنهكت القُوَى الأوروبية
معركة فاكرام
في واحدة من أعنف معارك نابليون، نشبت معركة فاكرام (1809) حيث استطاع نابليون بصعوبة هزيمة النمساويين، بينما ظلت نيران الحرب تحت الرماد تنتظر شرارة جديدة.
الحرب الروسية
وفي عام (1812) قرر نابليون غزو روسيا، القرار الذي يعد بداية النهاية، فقاد إمبراطور فرنسا جيشًا ضخمًا قوامه نحو 600 ألف جندي.
فيما برزت مرارة الحرب على جيش نابليون في معركة بورودينو في (سبتمبر 1812) التي كانت غير حاسمة على الرغْم خسائر فادحة للطرفين.
النهاية الحاسمة
انتهت الحملة العسكرية لنابليون بكارثة عسكرية بعد انسحاب الجيش الفرنسي تحت وطأة الشتاء الروسي القاسي والمقاومة الشعبية.
الحرب السادسة
بين عامي (1813-1814) تحالفت أوروبا بالكامل ضد نابليون في معركة لايبزيج (أكتوبر 1813) ثم “معركة الأمم”، التي تعد أكبر معارك أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى، التي كان من أهم نتائجها إجبار نابليون على التراجع حتى فرنسا.
حملة المئة يوم
فيما مثلت حب المئة يوم نهاية الامبراطور الفرنسي؛ فبعد نفيه إلى جزيرة إلبا عام 1814، هرب نابليون وعاد إلى فرنسا في مارس 1815، فيما شكل نابليون جيشًا جديدًا في حملة سميت المئة يوم.
المعركة الأخيرة
وفي 18 يونيو 1815 هُزم نابليون على يد تحالف بقيادة دوق ولينجتون (بريطانيا) وبلücher (بروسيا)، ونُفي بعدها إلى جزيرة سانت هيلينا في المحيط الأطلسي حيث توفي عام 1821.
نتائج الحروب النابليونية
أعادت الحروب النابليونية أوروبا الملكيات التقليدية للعرش، كما تم تأسس نظام مؤتمر فيينا 1815 لترتيب أوضاع القارة، فيما تراجع النفوذ الفرنسي لصالح بريطانيا وروسيا، وكذا نشوء حركات قومية ووطنية في عدة بلدان أوروبية.
أعظم القادة بالتاريخ
على الرخم من أن الحروب النابليونية من نابليون بونابرت أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ على الرغْم هزيمته في النهاية، غيّر أنها غيرت المعالم السياسة الأوروبية لسنوات طويلة.
أهمية الحرب
رغم الهزيمة، أبرزت الحرب عبقرية نابليون العسكرية، كما كرّست فرنسا كقوة عظمى على حساب الملكيات الأوروبية التقليدية، وكذا مهّدت الطريق لتشكيل كونفدرالية الراين تحت حماية نابليون، وأضعفت الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي تفككت بعد ذلك بفترة قصيرة.

