شهدت الأيام الأخيرة فضيحة استخباراتية من العيار الثقيل استهدفت أقوى جهاز مخابرات في العالم والرئيس الدولة الأعظم الولايات المتحدة الأمريكية.
وعقب الفضيحة التي عرفت بـ “سيجنال” ضجت المواقع والصحف العالمية بتفاصيل كارثية عن رجال دونالد ترامب.
ففي عالم الاستخبارات والسياسات الدفاعية، حيث تُرصد كل إشارة، تفجّرت فضيحة مدوية كشفت عن «إهمال صادم» في أعلى المستويات الأمنية الأمريكية.
فكبار مسؤولي إدارة ترامب، بدلاً من استخدام القنوات الحكومية المشفرة، لجؤوا إلى تطبيق «سيجنال”» التجاري لمناقشة خطط عسكرية حساسة حول هجمات على اليمن، مما فتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول سلامة المعلومات وفعالية منظومة الاتصالات السرية في البنتاغون.
وبحسب موقع «أكسيوس»، فإن هناك العديد من القنوات الآمنة التي من المفترض أن يلجأ إليها مسؤولو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإجراء مثل هذا النوع من المناقشات الحساسة، مشيرًا إلى أن اللجوء إلى تطبيق سيجنال ربما يكون خيارا جذابا لكنه خطير في الوقت نفسه.
وفي تصريحات لـ«أكسيوس»، قال مسؤول دفاعي كبير سابق إن ما حدث «إهمال صادم (..) لدينا أفضل أنظمة اتصالات آمنة في العالم أكثر من أي دولة أخرى فلماذا نستخدم نظامًا متهالكًا ومتاحًا تجاريًا؟».
وأشار إلى أن «سيجنال ليس حتى في نفس بيئة شبكة الإنترنت الداخلية (JWICS) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، التي تُستخدم لمشاركة بعض أدقّ المعلومات الاستخباراتية في البلاد».
وبغض النظر عن اطلاع صحفي بارز مثل جيفري جولدبرج الذي كشف الفضيحة عبر مجلته «ّذا أتلانتيك» على المحادثة الجماعية، أكد المسؤول الدفاعي السابق أن إرسال جدول زمني دقيق للغارات الوشيكة عبر شبكة لا يمكن التأكد من أمانها الكامل يُعرّض الطيارين الأمريكيين ونجاح العملية للخطر.
في المقابل، يُصرّ البيت الأبيض على أنه لا حرج في استخدام المسؤولين لتطبيق «سيجنال”» المُشفّر الذي يستخدمه المواطنون العاديون على نطاق واسع مثل الصحفيين لمشاركة المعلومات الحساسة. ووصفت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، التطبيق بأنه «الطريقة الأكثر أمانًا وفعالية للتواصل».
ومع ذلك، يؤكد خبراء الأمن أن التواصل عبر سيجنال، وخاصةً من جهاز شخصي، أقل أمانًا بكثير من استخدام قناة حكومية سرية.
وقال مسؤول أمريكي كبير حالي لـ«أكسيوس»، إنه على الرغْم أن العديد من المشاركين في دردشة سيجنال يستخدمون هواتف حكومية مشفرة يمكنهم من خلالها مناقشة معلومات سرية، إلا أن ضعف الاستقبال ومشاكل تقنية أخرى تجعل من السهل استخدام جهاز شخصي»، مضيفًا: «قد ينقطع الاتصال في أثناء المكالمة».
وأشار مسؤول سابق في وزارة الخارجية إلى أن مختلف الوكالات الحكومية تستخدم علامات تجارية مختلفة من الأجهزة الآمنة، فمثلا يُطلق على جهاز وزارة الخارجية اسم «هاتف بوما»، الأمر الذي قد يُسبب مشكلات عند التواصل بين الإدارات.
وقال مسؤول كبير سابق في «البنتاجون»، إنه بدلاً من التواصل عبر الرسائل النصية، يتلقى المسؤولون عادةً إشعارًا للانتقال إلى أجهزتهم السرية للانضمام إلى مكالمة جماعية.
وأوضح أنه على الرغْم إضافة ميزة الدردشة إلى الأجهزة الآمنة قرب نهاية إدارة الرئيس السابق جو بايدن، إلا أنها لم تُستخدم على نطاق واسع.
وقال جميل جعفر، الذي شغل مناصب استخباراتية في البيت الأبيض والكونغرس، إن استخدام المسؤولين لتطبيق سيجنال كان علامة على أن بروتوكولات الأمن المرهقة «تجعل من المستحيل أداء العمل» أو على الأقل القيام به بكفاءة.
ورغم هذه الصعوبات، اتفق المسؤولون السابقون على أن مشاركة خطط هجوم مفصلة في دردشة جماعية على «سيجنال» أمر غير معتاد وغير مسؤول.
وأثار برايس فلويد، الرئيس السابق للشؤون العامة في البنتاغون، قلقًا بالغًا بشأن رسالة نصية من مستشار الأمن القومي مايك والتز حول «دخول هدف حوثي بارز إلى مبنى سكني لصديقته»، قائلا: «هذا سيُعرّض جميع الأشخاص الذين تحدثت معهم أو التقت بهم، وما إلى ذلك، لخطر تحديدهم كمصدر محتمل للمعلومات».
وذكر مسؤول دفاعي كبير سابق شارك في التخطيط لضربات اليمن أن التنسيق بشأن الضربات السابقة على الحوثيين في يناير 2024 تم بشكل رئيسي عبر رسائل بريد إلكتروني سرية، إما على نظام “سري” أو “سري للغاية”.
وعادةً ما تبقى خُطَّة الهجوم المفصلة، مثل التي أرسلها وزير الدفاع بيت هيجسيث، سريةً لدى البنتاغون، ولا تُشارك مع صانعي السياسات على مستوى مجلس الوزراء، حتى لو في بيئة آمنة.
ولم يتم التخطيط بالكامل للضربات الأخيرة عبر «سيجنال»، فيما أشار مسؤول كبير حالي إلى الاجتماع المهم الذي عقده الرئيس دونالد ترامب بشأن عملية اليمن، قائلا إن محادثات عُقدت بما في ذلك مع بعض المسؤولين في مجموعة الدردشة في غرفة العمليات وذلك بعد يوم من إنشاء المجموعة.
وأضاف أن ترامب أصدر الأمر النهائي يوم السبت الماضي وتابع الضربة من منشأة معلومات حساسة مقسمة (SCIF) في مارالاغو بولاية فلوريدا في حين كان مسؤولون، مثل والتز وهيجسيث ونائب الرئيس جي دي فانس، يناقشون مزايا العملية وتفاصيلها عبر سيجنال.
وأوضح المسؤول الحالي أن العديد من المسؤولين في مجموعة الدردشة لديهم مرافق معلومات حساسة مقسمة (SCIF) في منازلهم، مما يجعل الانتقال إلى بيئة سرية أمرًا سهلاً نسبيًا.