عبر التاريخ الإنساني بالعديد من الفترات حالكة السواد ومع الفقر والجهل والمرض والصراعات التي أصاب فترات زمنية طويلة من أعمار الشعوب، بدأ ظهور المستبدين والطغاة، وما ساعدهم في بسط سيطرتهم على البسطاء هو نفس السبب الذي قلدهم سدة الحكم؛ الحرب والفقر والجهل والمرض.
إمبراطور الدم والخلود
ومن ضمن أبر تلك القصص قصة الإمراطور الطاغية الصيني “تشين شي هوانغ” باني صور الصين العظيم؛ فهذا الإعجاز الهندسي يخفي بين طياته العديد والعديد من قصص المعاناة والألم المطبق.
ففي القرن الثالث قبل الميلاد، حيث كانت الصين مقسّمة بين ممالك تتصارع على المجد والسيطرة… نهض شابٌ من مملكة “تشين”، حالمًا لا بالحكم فقط، بل بخلق إمبراطورية لا تموت… إنه تشين شي هوانغ، أول إمبراطور موحد للصين… والرجل الذي تحدى الزمن والموت.
ولد باسم “ين تشينغ” في خضم فوضى سياسية وعسكرية عارمة، وَسْط صراعات الممالك المتحاربة؛ كان أبوه ملكًا على مملكة تشين، لكن السلطة الحقيقة كانت في يد الوزير “لو بوي”.
منذ صغره، كان تشينغ مختلفًا… صامتًا، يراقب، ويتعلم، بعد وفاة والده، تولى الحكم وهو في الثالثة عشر من عمره؛ لم يكن الحاكم مجرد طفل صغير، بل قائدٌ فذٌ ينتظر لحظته.
نعم نحن نتحدث عن إمبراطور الدم الصيني وصاحب أكبر إنجاز في تاريخ بكين تشين شي هوانغ، الذي يعرف أيضا باسم تشين شي هوانغ دي، فهو من وحد الصين في عام 221 قبل الميلاد، وحكم باسم الإمبراطور الأول من أسرة تشين.
توحيد الصين
في عمر الثانية والعشرين، أمسك بزمام الأمور فعليًا؛ بدأ بخطة جهنمية لتوحيد الصين دولة تلو الأخرى مملكة بعد مملكة سقطت جميعها أمام جيوشه الحديدية؛ وبعد عقد من الدماء، أعلن نفسه “تشين شي هوانغ دي” – الإله الإمبراطور الأول.
من أهم إنجازاته أنه ألغى الإقطاع، وحد النظام النقدي، المقاييس، والكتابة، وبنى شبكة طرق بطول آلاف الكيلومترات، ممهّدًا الطريق لميلاد حضارة موحدة للصين.
ولكنه خلف عباءته الملكية، كان الخوف يتسلل إليه الخوف من الموت؛ كما أنه كان مسكونا بهاجس الخوف من العلماء، وخصوصا ممن يحملون أفكارا مخالفة لقناعاته.
ولذلك أصدر أمرا بقتلهم وحرق كتبهم، بل كان يصل به الأمر إلى حد قتل عائلاتهم وأبنائهم خوفا من توسع محتمل لدائرة حملة تلك الأفكار.
سور الصين العظيم
خلال فترة حكمه، أمر هوانغ ببناء سور الصين العظيم، ويقال إن عددا كبيرا من العمال توفوا حينها وهم يشيدون ذلك الحائط العملاق، ويرجح أن وفاتهم كانت مسترابة بشكل كبير وأنهم كان يتم الإلقاء بهم من أماكن مرتفعة بمجرد ارتكابهم لهفوات بسيطة في عملهم.
ولم يكتف هوانغ بذلك، بل كان يقوم بإخصاء كل أجنبي يقبض عليه، وذلك من أجل هدف غريب وهو «تمييزه عن الآخرين وتحويله إلى عبد له»، وفق ما ذكر رئيس جامعة هونغ كونغ شون تشو للموقع.
نهاية الطاغية
كانت نهاية “هوانغ” الإمبراطور مع إطلاق حملات إلى أطراف الأرض بحثًا عن إكسير الحياة، أرسل البعثات إلى الجزر السحرية، وجعل الكيميائيين يعملون ليلًا ونهارًا… بل تناول زئبقًا ظنًا أنه سر الحياة الأبدية، وكان ذلك بداية نهايته.
مات تشين شي هوانغ عام 210 ق.م، لكن موته بقي سرًا لأشهر؛ دفنه أتباعه في قبر ضخم، محاط بجيش كامل من الطين: جيش التيراكوتا، آلاف التماثيل المحاربة، كلٌ بملامح فريدة، لحمايته في العالم الآخر.
قبره ظل مغلقًا حتى يومنا هذا، وَسْط أساطير تقول إن داخله أنهار من الزئبق، وفخاخ مميتة تحرسه.