يبدو أن العالم يشهد إعادة تشكيل لخريطة النفوذ الدُّوَليّ، حيث تتداخل الطموحات الأمريكية والروسية حول جزيرة جرينلاند، التي أصبحت ساحة جديدة للصراع بين القُوَى الكبرى.
ضم جرينلاند
ففي الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى ضم الجزيرة إلى بلاده، يجد دعمًا غير متوقع من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، الذي يبرر هذه الطموحات على أساس المبدأ نفسه الذي تستند إليه موسكو في مطالبتها بأوكرانيا.
جرينلاند بين مطرقة ترامب وسندان بوتين
لطالما اعتُبرت جرينلاند ذات أهمية استراتيجية، نظرًا لموقعها الجغرافي بين أمريكا وأوروبا، واحتياطياتها الضخمة من المعادن النادرة.
لكن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، تصدّرت الجزيرة المشهد الدُّوَليّ مجددًا، مع إصرار ترامب على ضمها إلى الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب الدنمارك، الدولة التي تتبع لها جرينلاند رسميًا.
ومما زاد الأمر تعقيدًا، أن بوتين لم يعارض الفكرة، بل اعتبرها “منطقية”، قائلاً إن أمريكا سعت لشراء الجزيرة منذ عام 1910، ثم قامت بحمايتها خلال الحرب العالمية الثانية.
ويرى بوتين أن الولايات المتحدة “لها حق تاريخي” في جرينلاند، تمامًا كما تدّعي روسيا أن لها حقًا في أوكرانيا.
زيارة فانس لجرينلاند
في ظل هذه التوترات، زار نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس وزوجته الجزيرة، لكنه واجه احتجاجات شعبية في العاصمة نوك، مما دفعه لاختصار زيارته والتوجه إلى قاعدة بيتوفيك العسكرية الأمريكية.
وفي تصريحاته، حاول فانس تهدئة الأوضاع قائلاً: “نحن نؤمن بحق سكان جرينلاند في تقرير مصيرهم، وعندما يختارون الاستقلال عن الدنمارك، سنكون مستعدين للتفاوض معهم بطريقة دونالد ترامب لضمان أمنهم وأمن أمريكا”.
أما ترامب، فكان أكثر صراحة، مؤكدًا أن “أمريكا ستحصل عليها – بطريقة أو بأخرى”، وهو ما اعتبره كثيرون إشارة إلى إمكانية استخدام القوة أو الضغط السياسي والاقتصادي.
تقاسم النفوذ
يرى مراقبون أن تصريحات بوتين الداعمة لمطالب ترامب ليست مجرد مجاملة، بل جزء من اتفاق غير معلن بين القوتين العظميين، حيث يمكن أن يكون هذا التعاون مقدمةً لإعادة ترتيب النظام العالمي وفقًا لمصالحهما.
فكما يُلمح ترامب إلى إمكانية التخلي عن تايوان للصين ضمن صفقات جيوسياسية، يمكن أن يتغاضى عن توسع روسيا في أوكرانيا مقابل سيطرة أمريكية على جرينلاند.
هل ينجح ترامب ؟
بينما يستعد ترامب لمعركة سياسية داخلية ودولية حول هذا الملف، يواجه معارضة قوية من داخل الحزب الجمهوري، حيث يخشى بعض أعضائه أن تؤدي سياساته الخارجية إلى تمرد داخل الحزب، كما حدث مع نيكسون في السبعينيات.
إضافةً إلى ذلك، فإن المعارضة الدولية، لا سيما من الاتحاد الأوروبي والدنمارك، قد تجعل من الصعب تنفيذ خططه دون مواجهة دبلوماسية شرسة.
العالم على مفترق طرق
ما يحدث في جرينلاند ليس مجرد أزمة دبلوماسية، بل مؤشر على إعادة تشكيل موازين القُوَى العالمية.
فهل نشهد قريبًا اتفاقيات جديدة بين الكبار لتقاسم النفوذ، أم أن هذه الطموحات ستشعل صراعات جديدة؟ الوقت وحده كفيل بالكشف عن مصير جرينلاند في هذه اللعبة الجيوسياسية الكبرى.