في الآونة الأخيرة، ظهرت توترات بين فرنسا والولايات المتحدة في الكثير من القضايا العالمية غير أن أبرزها كانت الحرب الروسية الأوكرانية.
قطاع السيارات
وعلى الرغم من التصريحات السياسية إلا أن الحرب بين واشنطن وباريس لها بعد أخر يتعلق بالسياسات الاقتصادية المتبعة وسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه موسكو.
وفي ذلك الصدد تتهم فرنسا الولايات المتحدة بالاستفادة من الأزمة الأوكرانية لتعزيز صناعاتها المحلية، خاصة في قطاع السيارات، من خلال تقديم دعم حكومي كبير لهذه الصناعات.
هذا الدعم يُنظر إليه في أوروبا على أنه يضع الشركات الأوروبية في موقف غير متكافئ، مما دفع فرنسا إلى التلويح بإمكانية تقديم شكوى إلى منظمة التجارة العالمية وفرض قيود تجارية مضادة.
وفي ذلك الصدد، أكدت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية، صوفي بريما، أن باريس تسعى لإعادة تعزيز العلاقات بين أوكرانيا والولايات المتحدة بهدف تحقيق سلام دائم وقوي.
يأتي ذلك في إطار الجهود الدبلوماسية الفرنسية الرامية إلى إنهاء الصراع في أوكرانيا وضمان استقرار المنطقة.
فيما وجد “ماكرون” موجة التوترات الجيوسياسية التي أثارها “ترامب” فرصة للعودة إلى دائرة الضوء، خاصة بعد أن فقد أغلبيته البرلمانية بسبب انتخابات مبكرة كارثية الصيف الماضي.
الصدام مع ترامب
حيث أشار تقرير بحسب “وكالة بلومبرج” إلى إنشغل ماكرون في التعامل مع الأزمات الداخلية. لكنه الآن، ومع اقتراب انعقاد قمة زعماء الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم الخميس، يسعى لاستعادة نفوذه من خلال توحيد الحلفاء لدعم كييف، إلا أن هذه المبادرة تضعه في مسار تصادمي مع ترامب.
وبحسب تقرير، يسعى ماكرون، بالتعاون مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى تشكيل تحالف يضم 37 دولة لتقديم الدعم العسكري لأوكرانيا بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار.
تشمل هذه المبادرة تقديم التمويل، والقوات العسكرية، والطائرات، والسفن البحرية لحماية أوكرانيا من أي هجوم مستقبلي من روسيا.
رغم أن بعض الدول الأوروبية لم توافق بالكامل على هذه الخُطَّة، فإن الاجتماعات الأخيرة تشير إلى تزايد الدعم لها.
وفي الوقت نفسه، تعمل الدول الأوروبية على تعزيز قدراتها العسكرية لتكون قادرة على ردع روسيا بشكل مستقل عن الولايات المتحدة.
المواجهة الحتمية
ويُعد ماكرون بحسب “العين الإخبارية”، من بين القادة القلائل الذين لديهم عَلاقة طويلة الأمد مع ترامب، مما يمنحه موقعًا مميزًا في التعامل مع البيت الأبيض.
ويعتقد ماكرون أن ترامب يولي أهمية كبيرة للعلاقات الشخصية، على الرغْم أنه ليس مستمعًا جيدًا، لكن العثور على الحِجَّة المناسبة يمكن أن يجذب انتباهه، حَسَبَ مصادر مقربة من الرئيس الفرنسي.
ويبدو أن هذا الدور عزز مكانة ماكرون كمرجع في الشؤون الدولية. فبعد توليه منصبه، جعل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني باريس وجهته الخارجية الأولى، حيث ناقش مع ماكرون دعم أوكرانيا وتصاعد النزعة الحمائية الأمريكية.
بيد أنه على الرغْم هذا الزخم، تواجه جهود ماكرون تحديات كبيرة، فقد انتقده أحد نواب المعارضة في البرلمان الفرنسي مطالبا بإعادة تمثال الحرية من الولايات المتحدة لأنها لم تعد تشارك فرنسا قيمها.
فضيحة الحرب العالمية
وردت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، بأن “على الفرنسيين أن يكونوا ممتنين للولايات المتحدة لأنهم لا يتحدثون الألمانية”، في إشارة إلى دور أمريكا في تحرير فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية.
في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة، تسعى أوروبا إلى تحسين قدراتها الدفاعية بشكل كبير؛ فقد وافق البرلمان الألماني على حزمة إنفاق ضخمة بقيمة مئات المليارات من اليوروهات لتمويل الدفاع والبنية التحتية.
كما بدأ ماكرون محادثات مع الحلفاء الأوروبيين حول توسيع نطاق الحماية النووية الفرنسية؛ وكذا التقى ماكرون أيضًا المستشار الألماني السابق أولاف شولتز وخليفته فريدريش ميرتس لتنسيق المواقف قبل القمة الأوروبية.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة لدعم أوكرانيا وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، تواجه فرنسا عقبات مالية كبيرة؛ فأكد وزير المالية الفرنسي، إيريك لومبارد، أن البلاد لا تستطيع زيادة الاقتراض لتمويل الالتزامات العسكرية الجديدة، مما يجعل البحث عن مصادر تمويل بديلة ضرورة ملحة.
المشهد الجيوسياسي
في النهاية، يبدو أن الصراع بين ماكرون وترامب حول كيفية التعامل مع الأزمة الأوكرانية سيستمر في تشكيل المشهد الجيوسياسي العالمي خلال الفترة المقبلة.
ومنذ توليه منصبه في 2017، دعا ماكرون إلى تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية، لكنه واجه صعوبات في إقناع شركائه؛ واليوم، أصبحت رؤيته سائدة في العواصم الأوروبية، وَسْط سعي القادة الأوروبيين للتكيف مع الوضع الجيوسياسي المتغير بسرعة.
وعلى الرغم أن فرنسا، منذ بداية النزاع في أوكرانيا عام 2022، وقفت بحزم إلى جانب أوكرانيا وشعبها، بالتعاون مع شركائها في الاتحاد الأوروبي، دعماً لسيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، إلا أن بين السطور يتضح صراع المصالح الاقتصادية
وبشكل عام، يمكن القول إن الخلاف بين فرنسا والولايات المتحدة بشأن أوكرانيا يتمحور حول السياسات الاقتصادية والتجارية المتبعة في ظل الأزمة، مع استمرار التعاون الدبلوماسي لتحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة.