كتب: حمدي عاشور
بعد أكثر من 600 يوم تحوّلت فيها الفاشر إلى مدينة تُقتل ببطء ويموت فيها أهلها بكل الوسائل، أعلنت قوات الدعم السريع، الأحد، أنها سيطرت على مقر قيادة الجيش في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، آخر مدينة رئيسية يسيطر عليها الجيش في إقليم دارفور غربي البلاد.
وجاء هذا الإعلان بعد أيام من المعارك العنيفة في محيط الفرقة السادسة مشاة، دفعت الجيش السوداني إلى الانسحاب من بعض المواقع لأسباب تكتيكية، وفقا لمصادر داخل الجيش السوداني.
وفي كارثة الفاشر الإنسانية، كان من ينجو من القصف المدفعي تسقط عليه المُسيرات، ومن يهرب من الرصاص يكابد الحصار والعزلة، ومن ينجُ من كل ذلك يواجه الموت جوعًا، ولكن البقاء ليس خيارا، ليس بسبب ما سبق فقط، بل أيضا خوفا من التعذيب والعنف والاغتصاب والاستعباد الجنسي إذا وصلت إليك قوات الدعم السريع، وذلك بحسب ما جاء في موقع المفوضية الأممية السامية لحقوق الإنسان، إذ نشُر تقرير للجنة تقصي الحقائق الأممية بشأن العنف في السودان جاء فيه: “إن قوات الدعم السريع في السودان مسؤولة عن ارتكاب عنف جنسي على نطاق واسع أثناء تقدّمها في المناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي، وخطف واحتجاز ضحايا في ظروف ترقى إلى مستوى الاستعباد الجنسي”.
وخلال كل هذه المدة، عاشت الفاشر تحت حصار مميت فرضته قوات الدعم السريع التي أحكمت حولها الطوق ببناء حاجز ترابي يمتد لأكثر من 57 كيلو حول المدينة.
الفاشر التي كان يسكنها 1.5 مليون نسمة، بينهم 800 ألف نازح من مدن دارفور الأخرى بسبب النزاع المسلح الدائر في الإقليم منذ عام 2003 حسب تصريحات توبي هاروارد نائب منسق الشؤون الإنسانية في السودان في مايو 2024؛ لم يتبقَّ فيها اليوم سوى 260 ألفًا محاصرين داخلها، بينهم 130 ألف طفل، بحسب الأمم المتحدة.
لكن كل من يقرر الهرب سيخوض رحلة نزوح محفوفة بالموت؛ فالطريق مليءٌ بالقصف والكمائن، فضلا عن الموت جوعا أثناء الطريق.
فبحسب شهود عيان على رحلة نزوح ضمن سلسلة من الرحلات المستمرة منذ إطباق الحصار على الفاشر، إلى البلدات المجاورة، وفاة طفلتين على الأقل بسبب الجوع، وهذا ما توافق مع تصريحات آدم رجال، المتحدث باسم منسقية النازحين في دارفور.
وفي مقابل هذا الجحيم، تبدو المدينة كأنها تذكّر العالم بماضيها الذي طُمر تحت الركام، فمدينة “فاشر السلطان”، التي كانت يومًا عاصمة سلطنة الفور ومقرّ السلطان علي دينار، صارت اليوم عاصمةً للجوع والموت. فمن أرضٍ كانت تُرسل العطاء إلى دول مجاورة، بات أهلها ينتظرون صدقة النجاة.
الفاشر ليست استثناء عما يعانيه السودان منذ عامين ونصف، إذ صرح وكيل الأمين العام الأممي للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، أن السودان بحاجةٍ إلى مساعدات إنسانية عاجلة. تكررت النداءات من المنظمات الإغاثية والأممية بأن البلاد تشهد أكبر أزمة إنسانية وأكبر أزمة نزوح في العالم اليوم.
وقالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، إن السودان يواجه واحدة من أشد حالات الطوارئ في العالم، حيث يحتاج أكثر من 30 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، بمن فيهم 9.6 ملايين نازح ونحو 15 مليون طفل. وفي بيان صحفي، دعت الوكالة المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية الأممية السامية لشؤون اللاجئين وصندوق الأمم المتحدة للطفولة وبرنامج الأغذية العالمي؛ إلى إيلاء اهتمام دولي عاجل للأزمة في السودان.
وجاء في البيان “أن أكثر من 900 يوم من القتال الوحشي والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان والمجاعة وانهيار الخدمات الأساسية للحياة؛ دفعت ملايين الأشخاص إلى حافة البقاء على قيد الحياة، وخاصة النساء والأطفال”، في حين قال الأمين العام الأممي أنطونيو غوتيريش: “في السودان، يُذبح المدنيون ويُجوّعون، وتُكمّم أفواههم، وتواجه النساء والفتيات عنفًا لا يوصف”.
تبدو هذه الكلمات قاصرةً عن وصف حجم الخراب، فالحرب التي اندلعت منتصف شهر أبريل 2023 أحرقت الأخضر واليابس، وعصفت بالبنى التحتية والاقتصاد. وتقدّر الحكومة أن السودان بحاجة إلى 700 مليار دولار لإعادة الإعمار، نصفها للعاصمة الخرطوم، بينما قدّرت بلومبرغ الكلفة الفعلية بنحو 150 مليارا، أي ما يعادل الناتج الإجمالي المحلي لثلاث سنوات، لكن الأرقام بطبعها جامدة، وقد لا تعبّر عن المأساة.
وفي مشهد من مستشفى “بشائر” في الخرطوم، وثّقتة الكاميرا لأمٍّ تُجبَر على اختيار أيّ طفلٍ تُبقيه على قيد الحياة حين لا يتوفر العلاج للجميع، بينما في الفاشر، لا خيار أصلًا، فالجوع خيار الجميع. أعلنت لجان مقاومة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور في إحصاء لها يوم 23 أكتوبر 2025 عن وفاة 239 طفلاً جراء الجوع بسبب الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع على المدينة.
هكذا صار الموت في الفاشر بكل السبل، بالجوع أو بالقنابل، بالمسيرات أو البنادق، أو حتى في طريق الهرب الذي يُفترض أنه خلاص، فكل من ينجو من الموت، سيعيش في خوفٍ دائمٍ من العنف والاغتصاب، فالمدينة التي كانت بوابة دارفور إلى العالم، باتت اليوم بوابة السودان إلى الجحيم..

