في سابقة مثيرة للجدل أثارت موجة عارمة من الانتقادات داخل الأوساط الدينية والطبية والاجتماعية، أطلقت الدكتورة سعاد صالح، أستاذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر، تصريحاً صادماً قالت فيه إن تدخين الحشيش “ليس حراماً” من الناحية الفقهية، ما دام لا يُذهب العقل كما تفعل الخمر.
الحشيش ليس حراماً
التصريح، الذي جاء في مقابلة إعلامية، قوبل بموجة عنيفة من الهجوم والاستنكار، لا سيما من الأطباء والمتخصصين في علاج الإدمان، الذين سارعوا إلى التحذير مما وصفوه بـ”اللعب بالنار”، معتبرين أن مثل هذه الفتاوى تفتح أبواب التهلكة أمام الشباب وتمنح الغطاء الديني لتعاطي مادة مخدرة خطيرة تفتك بالعقول والأجساد دون رحمة.
الرد العلمي والطبي
ولم يكن الرد الأشد وقعاً من علماء الدين، بل جاء من المؤسسات الطبية الدولية وخبراء الصحة العامة، الذين استندوا إلى عشرات الدراسات والتقارير الحديثة، وعلى رأسها تقرير صادر عن مراكز علاج الإدمان في الولايات المتحدة في مايو الماضي، الذي وصف الحشيش بأنه مركب مخدر معقّد يملك تأثيرًا نفسيًا خطيرًا يمتد إلى الذاكرة، الإدراك، والأداء العقلي.
الحشيش ليس بريئاً
وأوضح التقرير أن الحشيش ليس مجرد نبتة طبيعية كما يُروج له، بل مادة فعالة تحمل مركب “تتراهيدروكانابينول” (THC)، الذي يعمل على إحداث تغيرات عميقة في كيمياء الدماغ، ما يؤدي إلى بطء في الإدراك، اضطراب في الوظائف العقلية، تدهور في الذاكرة، وزيادة خطر الإصابة بالأمراض النفسية مثل الذهان والفصام.
القلب والمخ في مرمى الضرر
وفي دراسة نُشرت مؤخرًا في مجلة “القلب” الطبية، وجد الباحثون أن متعاطي الحشيش معرضون لخطر الإصابة بالأزمات القلبية بنسبة تفوق 29%، حتى في حال عدم وجود سجل مرضي سابق. وأكدت الدراسة أن تعاطي الحشيش يُضعف كفاءة الأوعية الدموية، ويؤثر سلبًا على عمل القلب، كما أن آثاره قد تتجاوز الأضرار المعروفة للتبغ.
ولم تقتصر التحذيرات على القلب، فقد كشفت تقارير طبية أخرى أن الحشيش يهاجم خلايا المخ بصمت، ويُحدث تلفًا تدريجيًا فيها، خاصة عند تعاطيه في سن المراهقة، حيث يتسبب في ضعف القدرات التعليمية، واضطراب التركيز، وتراجع الاستيعاب، وزيادة احتمال الانزلاق نحو الاكتئاب والإدمان المزمن.
الطبيعة لا تعني الأمان
المفارقة الصادمة التي تواجه مزاعم تبرئة الحشيش بحجة أنه “نبتة طبيعية”، هي أن الطبيعة لا تعني بالضرورة الأمان.
فبين فطر سام وأفعى قاتلة ونباتات مخدرة مثل الأفيون، تبرهن الطبيعة على أنها تحمل الخير والشر معًا، ويتوجب الرجوع إلى العلم في التمييز بينهما.
والأخطر، كما يُجمع الأطباء، أن الحشيش المتداول اليوم لم يعد كما كان في الماضي، بل شهد تطورًا كبيرًا في تركيبته، حيث ارتفعت فيه نسبة مادة THC إلى مستويات تصل إلى 10 أضعاف ما كانت عليه قبل عقود، ما جعله أقرب إلى “قنبلة كيميائية” لا إلى مادة ترفيهية أو علاجية.
تحذير من تضليل خفي
وفي تعليق صريح، قال الدكتور محمد سالم، أستاذ علم الأوبئة بجامعة كاليفورنيا، في تصريحات حَسَبَ “العين الإخبارية”: “ما نراه الآن هو موجة تضليل خفية.. الناس يظنون أن الحشيش آمن لأنه قانوني في بعض الدول أو لأنه طبيعي، لكن الواقع يقول إن هناك شبابًا يُنقلون إلى المستشفيات بأعراض نفسية وقلوب مرهقة بسبب ما يُسمى بالنبتة المريحة”.
وأضاف سالم:”نحن لا ندافع عن النصوص فقط، بل عن صحة أجيال كاملة.. ومن يُصدر فتاوى تبرر هذه المواد المخدرة يشارك – عن قصد أو غير قصد – في خلق كارثة صحية واجتماعية لا تُحمد عقباها”.
فتوى بمرمى الانتقاد
ورغم احترام المؤسسة الدينية الأزهرية لتعدد الآراء الفقهية، فإن كثيرًا من علماء الدين طالبوا بإعادة النظر في الفتاوى المتعلقة بمواد مثل الحشيش، التي تمس الصحة العامة والنظام الاجتماعي بشكل مباشر.
وأكدوا أن الحُكم على المحرمات لا يُفصل عن آثارها الواقعية، وأن الإضرار بالنفس أو بالآخرين هو من الكبائر التي نهى عنها الشرع.
الإباحة الشرعية لمواد مخدرة
في ظل كل هذه التحذيرات، يبقى السؤال المطروح: هل نحن مستعدون لتحمل نتائج فتح باب الإباحة الشرعية لمواد مخدرة بحجة التأويل أو الخلاف الفقهي؟ .
الفتوى مسؤولية، والصحة أمانة، والمجتمع هو من يدفع الثمن في النهاية.
وبين “نبتة طبيعية” و”كارثة صحية صامتة”، يجب أن تكون الكلمة الفصل للعلم، ولحماية العقول قبل أن تُستهلك في دخان الوهم.

