شهد سجن البصرة المركزي جنوب العراق حادثة احتجاجية دامية، أثارت موجة من القلق والجدل في الأوساط الحقوقية والإعلامية، بعدما أقدم عدد من النزلاء على إيذاء أنفسهم باستخدام أدوات حادة داخل زنازينهم، احتجاجًا على ما وصفوه بإجراءات انضباطية مشددة فرضتها إدارة السجن مؤخرًا.
احتجاج جماعي
وقعت الحادثة في منتصف يوليو 2025، عندما أقدم تسعة من نزلاء سجن البصرة المركزي على تنفيذ احتجاج منسق تمثّل في جرح أنفسهم بشكل جماعي باستخدام أدوات حادة كانت مخبأة داخل الزنازين. وأسفر الاحتجاج عن إصابة تسعة سجناء بجروح متفاوتة، أحدهم وُصفت حالته بالخطرة، وتم نقله على الفور إلى مستشفى البصرة التعليمي لتلقي العلاج، فيما تلقّى الآخرون الإسعافات داخل مستوصف السجن الداخلي.
وقالت مصادر أمنية عراقية حسب “العين الإخبارية”، إن الحادثة وقعت بعد أيام من فرض إدارة السجن عقوبات تأديبية بحق عدد من النزلاء، تضمنت نقل بعضهم إلى زنازين انفرادية نتيجة مخالفتهم لوائح السجن. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية، فإن هذه الإجراءات كانت السبب المباشر في اندلاع حالة التمرد.
رد فعل السلطات
أفادت المصادر بأن حُرّاس السجن فوجئوا بما وصفوه بـ”التصرف المفاجئ”، حيث أقدم السجناء على تنفيذ احتجاجهم بشكل متزامن ومنسّق، مما أثار حالة من الاضطراب والتأهب داخل السجن. وقد تدخلت قوات الحراسة بشكل عاجل لاحتواء الوضع، ومنع تصاعده إلى حالة شغب جماعي.
وفي أعقاب الحادث، باشرت الجهات الأمنية المختصة تحقيقًا رسميًا للوقوف على الملابسات الحقيقية لما جرى، وتحديد طبيعة الأدوات التي استخدمها السجناء، والكيفية التي نجحوا من خلالها في إدخالها أو الاحتفاظ بها رغم الرقابة.
وفاة غامضة
وفي تطورٍ يزيد من تعقيد الموقف، تزامنت الواقعة مع وفاة أحد النزلاء داخل السجن نتيجة إصابته بأزمة قلبية مفاجئة، حَسَبَ ما أفادت به التقارير الطبية الأولية. والمفارقة أن المتوفى هو مدير التسجيل العقاري الأسبق في قضاء الزبير بمحافظة البصرة، والمسجون على خلفية قضية فساد مالي.
ورغم أن الجهات الرسمية لم تؤكد وجود عَلاقة مباشرة بين الوفاة والاحتجاج الجماعي، فإن تزامن الحدثين أثار الكثير من التساؤلات حول الظروف الصحية والإنسانية داخل السجن، وحول ما إذا كانت هناك دوافع نفسية أو ضغوط دفعت السجناء إلى الإقدام على هذا الفعل غير المسبوق.
الغموض يلفّ الدوافع
حتى اللحظة، لم تُصدر إدارة السجن أو وزارة العدل العراقية بيانًا تفصيليًا بشأن نوعية المخالفات التي ارتكبها السجناء المحتجون التي أدّت إلى معاقبتهم، كما لم توضح طبيعة الأساليب التي استخدمها النزلاء لإخفاء الأدوات الحادة.
ويخضع الحادث حاليًا لتحقيق موسّع من قبل السلطات القضائية والأمنية في محافظة البصرة، بالتنسيق مع الجهات الرقابية والحقوقية، للوقوف على حقيقة ما حدث، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.
أبعاد إنسانية
أعادت هذه الحادثة تسليط الضوء على الظروف داخل السجون العراقية، التي طالما كانت محل انتقاد من منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية. ويُطرح تساؤل رئيس حاليًا: هل يعكس هذا الاحتجاج اليائس حجم الضغوط والانتهاكات التي قد يتعرض لها بعض السجناء؟ أم أنه مجرد نتيجة لفئة مارقة تسعى لفرض مطالبها بطرق غير قانونية؟
من جهتها، طالبت بعض المنظمات الحقوقية بفتح تحقيق مستقل ومحايد في الحادث، والاطلاع على ظروف السجناء، وآليات التعامل الإداري معهم، والرعاية الصحية المقدمة داخل السجون، بما في ذلك متابعة حالات العنف الذاتي أو الانتحار المحتمل.
سجن البصرة
تمثّل واقعة سجن البصرة نذير خطر لا يمكن تجاهله، وتسلّط الضوء على تحديات إدارة المؤسسات العقابية في العراق، في ظل تزايد عدد السجناء، وتعقّد القضايا التي يُحتجز بسببها الأفراد.
وبينما تتواصل التحقيقات، يبقى مصير السجناء المصابين والموقف الرسمي من الحادثة محطّ اهتمام الرأي العام، في انتظار كشف كل الحقائق.

