في تصعيد عسكري لافت، شنت إسرائيل، صباح الأربعاء 16 يوليو 2025، سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية في العاصمة السورية دمشق، بما في ذلك مدخل مقر هيئة الأركان العامة للجيش السوري، إضافة إلى مواقع تابعة للقوات الحكومية في محافظة السويداء جنوب البلاد، وَسْط توترات متصاعدة على خلفية الاشتباكات الدامية التي تشهدها محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية منذ عدة أيام.
خلفية الاشتباكات بالسويداء
تعود جذور الأزمة إلى اندلاع مواجهات عنيفة يوم الأحد الماضي بين مجموعات مسلحة درزية وأخرى من البدو في محافظة السويداء، على خلفية حادثة خطف أحد تجار الخضار الدروز، ما تبعها من عمليات خطف متبادلة وتصاعد سريع في حدة التوتر الطائفي في المنطقة.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن القوات الحكومية السورية تدخلت يوم الإثنين لفض الاشتباكات، إلا أن عدداً من الشهادات المحلية وفصائل درزية أكدوا أن القوات النظامية انحازت لطرف البدو، ما فاقم من حدة الأزمة وأدى إلى توسع رقعة المواجهات.
ورغم إعلان وزارة الدفاع السورية يوم الثلاثاء عن وقفٍ لإطلاق النار في السويداء، فإن الاشتباكات استمرت، وَسْط تقارير عن عمليات حرق ونهب وإعدامات ميدانية، ومشاهد مصوّرة تظهر عناصر أمنية تقوم بإهانة مدنيين دروز، من بينهم رجل مسن أُجبر على حلق شاربه بالقوة.
إسرائيل تدخل على الخط
في أول رد عسكري مباشر منذ تصاعد الأزمة، أعلنت إسرائيل صباح الأربعاء أنها نفّذت ضربة جوية استهدفت “بوابة الدخول إلى مجمع الأركان العامة” في دمشق، إضافة إلى مواقع لقوات الجيش السوري في السويداء، مؤكدة أن هذه الضربات تأتي “ردًا على الانتهاكات التي يتعرض لها الدروز في سوريا”.
وأكدت وسائل إعلام سورية رسمية أن الغارات أدت إلى إصابة شخصين بجروح في دمشق، بينما أفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) بأن الطيران الإسرائيلي استهدف شاحنة عسكرية قرب المدخل الغربي لمدينة السويداء، حيث تتواجد القوات الحكومية.
تحذيرات شديدة اللهجة
أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان رسمي أنه قرر تعزيز قواته المنتشرة قرب السياج الحدودي مع سوريا، في أعقاب رصد “عشرات المشتبه بهم” حاولوا التسلل من الجانب السوري باتجاه الأراضي الإسرائيلية، في محيط قرية حضر القريبة من الجولان المحتل.
وأوضح المتحدث باسم الجيش، أفيخاي أدرعي، في منشور عبر منصة “إكس”، أن “قوات الجيش تعمل على منع محاولات التسلل، وتفريق الحشود”، مشيرًا إلى عبور عدد من المواطنين الإسرائيليين الحدود إلى داخل الأراضي السورية قرب منطقة مجدل شمس، حيث تسعى القوات الإسرائيلية لإعادتهم.
بدوره، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف جالانت أن “النظام السوري مطالب بسحب قواته فورًا من محافظة السويداء”، محذرًا من أن الجيش الإسرائيلي “سيرفع مستوى الردود ما لم يتم استيعاب الرسالة”.
خسائر بشرية فادحة
منذ اندلاع الاشتباكات في السويداء، وثق المرصد السوري مقتل 64 مقاتلاً درزياً و28 مدنياً، في مقابل 138 قتيلاً من قوات الجيش والأمن العام السوري، و18 من المسلحين البدو، ما يجعلها واحدة من أعنف جولات العنف الداخلي التي تشهدها المحافظة منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011.
شهادات محلية من سكان مدينة السويداء تحدثت عن أعمال نهب لمنازل ومتاجر، وتنفيذ عمليات قتل ميدانية عند دخول قوات الأمن السوري إلى المدينة. وتداول نشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة تظهر تجاوزات وانتهاكات بحق المدنيين على أيدي عناصر بلباس عسكري.
رد دمشق والمجتمع الدُّوَليّ
في أول تعليق رسمي على التصعيد، أصدرت السلطات السورية بيانًا جاء فيه:”تابعت الحكومة السورية بقلق بالغ الانتهاكات المؤسفة التي وقعت مؤخرًا في محافظة السويداء، وتدين بشدة هذه الأعمال المشينة، وتؤكد التزامها بالتحقيق في كافة الحوادث، ومحاسبة كل من يثبت تورطه”.
وفي السياق ذاته، أعربت وزارة الخارجية الفرنسية عن “إدانتها الشديدة للانتهاكات ضد المدنيين”، مطالبة بضرورة حماية المكوّنات السكانية في السويداء و”احترام حقوق الإنسان في جميع مناطق سوريا”.
مخاوف التصعيد الإقليمي
ويثير التدخل العسكري الإسرائيلي مخاوف من اتساع دائرة الصراع السوري إلى جبهة الجنوب، في ظل التوترات الطائفية والتحركات الإسرائيلية المتكررة لحماية الدروز، الذين يشكّلون أقلية دينية تربطها علاقات خاصة مع إسرائيل، خاصة في الجولان.
ويرى مراقبون أن الغارات الأخيرة تمثل تغيرًا في قواعد الاشتباك، إذ استهدفت مقرات رئيسية في دمشق بشكل علني ومباشر، ما قد يدفع إلى ردود فعل مضادة من قبل حلفاء دمشق، وعلى رأسهم إيران وحزب الله.
غارات إسرائيل
بين غارات إسرائيلية، وتحذيرات شديدة، ودماء تُسفك في محافظة السويداء، تدخل الأزمة السورية فصلًا جديدًا من التعقيد، حيث تتداخل الأبعاد الطائفية مع المصالح الإقليمية. ويبقى المدنيون، كالعادة، الضحية الأولى لصراع تتشابك فيه السياسة بالسلاح، والطائفة بالتحالفات الدولية.

