في مشهد مؤثر يمزج بين الحزن والهيبة، ودّعت السيدة فيروز نجلها الموسيقار والمسرحي الكبير زياد الرحباني، في جَنازة مهيبة شهدتها كنيسة رقاد السيدة في بكفيا، وَسْط حضور جماهيري كثيف وتصفيق حار اختلط بالدموع والورود والزغاريد.
فيروز
جلسَت السيدة فيروز في المقاعد الأمامية داخل الكنيسة، تكسو ملامحها نظرات حسرة وصمت موجوع، وهي تودّع الابن الذي شكّل امتدادًا فنيًا لعائلة الرحباني العريقة، وابنتها ريما الرحباني تجلس إلى جوارها، تغالب الدموع وتحتضن ألم الفقد برفقة آلاف المحبين.
موكب مهيب
منذ ساعات الصباح الأولى، توافد الآلاف من محبّي الفنان الراحل إلى مستشفى خوري بمنطقة الحمراء في بيروت، حيث وُضع الجثمان، حاملين صوره ولافتات تودّع “صوت الناس” و”ناقد السلطة”، ومُطلقين الزغاريد، فيما علت التصفيقات على وقع الوداع.
وانطلق موكب التشييع ظهر اليوم من شارع الحمراء، وَسْط حضور شعبي ورسمي واسع، حيث اصطف المواطنون على جانبي الطريق، يُلقون الزهور والورود البيضاء في طريق النعش، يصفقون طويلاً تحيةً لرحيل نجمٍ لم يكن يشبه أحدًا، ورافق صوته قضايا الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.
زياد عاصي الرحباني
رحل زياد عاصي الرحباني، فجر السبت 26 يوليو 2025، عن عمر ناهز 69 عامًا، بعد صراعٍ قصير مع المرض، لينطفئ صوت من أكثر الأصوات الفنية المتمرّدة، تاركًا وراءه إرثًا موسيقيًا ومسرحيًا شكل علامة فارقة في المشهد الثقافي العربي.
خسارة فنية كبيرة
وقد أعلنت عائلته أن مراسم تقبّل العزاء ستُقام اليوم الإثنين وغدًا الثلاثاء، في منزل العائلة، حيث يُتوقّع أن يحجّ إليه المئات من الشخصيات الفنية والسياسية والثقافية، إضافة إلى جمهور زياد، الذي لطالما رأى فيه صوت الإنسان العادي الذي لا يرضى بالصمت.
ابن الأسطورة الذي شق طريقه الخاص
ولد زياد الرحباني في 1 يناير 1956، وهو نجل السيدة فيروز والموسيقار الكبير عاصي الرحباني، أحد أضلاع الأخوين رحباني. نشأ زياد في كنف عائلة موسيقية استثنائية، لكنه لم يكن مجرد ابن بار، بل تمرد على القوالب الكلاسيكية ليؤسس أسلوبًا فنيًا خاصًا به.
منذ بداياته، لفت الأنظار بموهبته اللافتة في التأليف الموسيقي والكتابة المسرحية، فكان أول ظهور له على الساحة عام 1973 من خلال مشاركته في تلحين وغناء أغنية “سألوني الناس”، بعد دخول والده المستشفى. ومن هناك، بدأ مشوارًا فنيًا طويلاً من التجريب والتجديد.
مسرح ساخر
تميّز زياد الرحباني بمسرحياته النقدية ذات الطابع السياسي والاجتماعي، التي جسّدت الواقع اللبناني والعربي بلغة ساخرة وموجعة في آنٍ معًا. ومن أبرز أعماله المسرحية: “بالنسبة لبكرا شو”، “فيلم أميركي طويل”، “نزل السرور”، “لولا فسحة الأمل”، “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”.
تُعدّ هذه الأعمال بمثابة توثيق زمني للواقع اللبناني خلال الحرب الأهلية وما بعدها، حيث دمج في أعماله الفكاهة السوداء والنقد اللاذع واللغة الشعبية، ما جعله قريبًا من عامة الناس، ولا سيما الطبقات المهمشة.
موسيقى بلا حدود
أما على الصعيد الموسيقي، فقد أدخل زياد أنماطًا جديدة إلى الموسيقى العربية، منها الجاز، البلوز، والموسيقى الغربية، ودمجها ببراعة مع الأنغام الشرقية. فكان من أوائل من مزجوا الثقافة الموسيقية الغربية بالفن العربي دون أن يفقد أصالته، كما تعاون مع والدته في عدد كبير من الأغاني التي لا تزل حاضرة في الذاكرة الجماعية حتى اليوم.
المثقف اليساري
عرف زياد الرحباني بمواقفه السياسية الجريئة، إذ لم يكن محايدًا يومًا، بل تبنّى التيار اليساري في رؤيته للعالم والفن. انحاز للفقراء والمهمشين، ووجّه سهام نقده إلى الأنظمة العربية والسلطة اللبنانية، وعبّر عن ذلك صراحة في مسرحياته ومقالاته وأغانيه.
صوت المقهورين
كان صوته ناقدًا وحرًا، لا يخشى الاصطدام بالخطوط الحمراء، وهو ما جعله محبوبًا لدى الشباب والطبقات الشعبية التي رأت فيه مرآةً لواقعها ووجعها.
صمت فيروز الحزين
لم تنطق فيروز بكلمة خلال مراسم التشييع، لكن صمتها كان أبلغ من أي كلام. جلست تُمسك بيد ابنتها ريما، وتطالع نعش ابنها في خشوع، وفي عينيها ألف غصة. ذلك الصمت المهيب حمل وجع الأم، وصدى الرحيل، ونهاية فصل من فصول الحكاية الرحبانية.
الوداع الأخير
رحل زياد، لكن صوته سيبقى حيًا في أروقة المسرح، في مقاهي بيروت، في السيارات القديمة التي تبث أغنياته، وفي ذاكرة كل من صدّق أن الفن يمكن أن يكون مقاومة، وأن الموسيقى يمكن أن تكون سلاحًا.

