كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، نقلًا عن مصدر أمني رفيع، أن الحكومة الإسرائيلية قررت تجميد خطط إنشاء ما يسمى بـ”المدينة الإنسانية” في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، التي كانت معدة لاستيعاب مئات الآلاف من الفلسطينيين، في خطوة وُصفت بأنها محاولة مبطّنة للتهجير القسري تحت غطاء العمل الإنساني.
قطاع غزة
ووفقاً لما ورد في التقرير، فإن القرار جاء نتيجة تغير في التقديرات السياسية والأمنية، حيث أشار المصدر إلى أنه لا يوجد قرار بالمضي قدمًا في هذا المشروع، كما لا توجد خُطَّة بديلة في الوقت الراهن، وهو ما يترك مصير عشرات الآلاف من النازحين الفلسطينيين في جنوب القطاع غامضًا، في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية.
ما هي المدينة الإنسانية؟
كانت الخُطَّة دولة الاحتلال تقضي بإنشاء منطقة مؤقتة في رفح، يتم فيها تجميع عشرات الآلاف من سكان القطاع، بزعم توفير حماية لهم من العمليات العسكرية الإسرائيلية، مع توفير بنية تحتية أولية من خيام ومرافق صحية ومياه وغذاء.
مخطط تهجير قسري
إلا أن منظمات حقوقية فلسطينية ودولية حذّرت من أن هذه “المدينة” ليست سوى مخطط تهجير قسري ممنهج، يهدف إلى تفريغ القطاع تدريجيًا من سكانه، خصوصًا في ظل الحديث الإسرائيلي المتكرر عن “البدائل السكانية” للفلسطينيين.
الصفقات السياسية توقف الخُطَّة
وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن المستوى السياسي في إسرائيل هو من اتخذ قرار التجميد، على خلفية تزايد الحديث عن قرب التوصل إلى صفقة لتبادل الأسرى مع حركة “حماس”، يُتوقّع أن تتضمن انسحابًا إسرائيليًا جزئيًا من جنوب قطاع غزة.
وترى الأوساط السياسية أن تنفيذ خُطَّة “المدينة الإنسانية” قد يعرقل مسار الصفقة، أو يُفهم على أنه محاولة لفرض أمر واقع جديد على الأرض، ما قد يُفشِل مفاوضات حساسة تجري عبر وسطاء إقليميين ودوليين.
مضاعفة المساعدات بدلاً من التهجير
بديلًا عن “المدينة الإنسانية”، أعلن المصدر الأمني ذاته أن الحكومة الإسرائيلية قررت مضاعفة عدد شاحنات المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى قطاع غزة، لترتفع من نحو 70 شاحنة يوميًا إلى 150 شاحنة، في محاولة لتخفيف الأزمة الإنسانية المتفاقمة، لاسيما في المناطق الجنوبية التي تعاني من نقص حاد في الغذاء والماء والرعاية الطبية.
إلا أن مراقبين أكدوا أن هذه الخطوة، على الرغْم من أهميتها، لا تُغني عن الحاجة إلى وقف العمليات العسكرية، وتأمين الحماية الحقيقية للمدنيين داخل غزة، والعودة إلى مسار الحلول السياسية بدلاً من فرض وقائع ميدانية بالقوة.
ردود فعل وتحذيرات حقوقية
من جانبها، رحّبت بعض الجهات الحقوقية بتجميد خُطَّة المدينة، إلا أنها شددت على أن التجميد لا يعني إلغاء النوايا الحقيقية وراءها، خصوصًا أن دولة الاحتلال الإسرائيلي لم تصدر أي تعهد بعدم العودة إلى تنفيذ الخُطَّة لاحقًا.
وقالت مؤسسة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية في بيان مقتضب: “خُطَّة إقامة منطقة احتواء ضخمة في رفح ليست خطوة إنسانية، بل انتهاك صارخ للقانون الدُّوَليّ الإنساني، وتجميدها لا يُبرئ السلطات الإسرائيلية من نواياها”.
في المقابل، اتهمت جهات فلسطينية رسمية إسرائيل بمحاولة إعادة طرح مشاريع التهجير الجماعي بشكل جديد، مستخدمة مفردات إنسانية مثل “المدينة الآمنة” أو “المنطقة العازلة”، بينما تُمارس على الأرض سياسة الضغط العسكري والاقتصادي والإنساني لدفع السكان إلى مغادرة أراضيهم.
الواقع الميداني برفح
تُعد مدينة رفح اليوم إحدى أكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان والنازحين، إذ نزح إليها مئات الآلاف من سكان شمال ووسط غزة، هربًا من القصف الإسرائيلي.
وتعاني المدينة من أزمة خانقة في المياه الصالحة للشرب، وانقطاع متواصل للكهرباء، وتدهور شامل في البنية التحتية الصحية والتعليمية.
وتتخوّف جهات إنسانية من أن تتحول رفح إلى قنبلة إنسانية موقوتة، في ظل ضعف الاستجابة الدولية، واستمرار القيود الإسرائيلية على دخول المُعِدَّات الطبية والوقود.
القضية الفلسطينية من منظور حقوقي وسياسي شامل
تجميد خُطَّة “المدينة الإنسانية” في رفح، وإن شكّل تراجعًا عن مسار تصعيدي خطير، إلا أنه لا يلغي المخاطر المستمرة التي تهدد سكان القطاع، خصوصًا مع استمرار الحصار الإسرائيلي، وتواصل العمليات العسكرية لدولة الاحتلال الغاشم، وتعثر مسار التسوية.
في ظل هذا المشهد المتأزم، تبدو الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تحرك دُوَليّ عاجل وجاد، لإعادة فتح ملف القضية الفلسطينية من منظور حقوقي وسياسي شامل، لا يكتفي بمساعدات غذائية، بل يعالج جذور الصراع ومآلات التهجير والاحتلال.

