بين المؤشرات الصادمة والعجز الدُّوَليّ.. يتساءل الشارع المصري والعربي بل والعالم أجمع هل تتحقق المجاعة رسميًا في غزة أم نسعف الأهالي المنكوبين قبل فوات الأوان؟.
خطر المجاعة بغزة
وعلى ضوء هذا السؤال الذي يخاطب ضمير الإنسانية، وفي خضمّ المعاناة اليومية التي يعيشها سكان قطاع غزة، والدمار الهائل الذي تسببت به الحرب الإسرائيلية الغاشمة والمستمرة، تعيش غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، وَسْط تصاعد التحذيرات من خطر المجاعة، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.
ورغم تردد المصطلحات المتداولة على لسان الخبراء ووسائل الإعلام، فإن الإعلان الرسمي عن المجاعة ما زال يراوح مكانه بين التعقيدات التقنية والإجراءات البيروقراطية، بينما الأطفال يموتون جوعًا أمام أعين العالم.
لا وقت للجدل
وفي ذلك الصدد يحذر جان مارتان باور، مدير تحليل الأمن الغذائي في برنامج الأغذية العالمي، من أن أي إعلان رسمي للمجاعة يأتي عادةً “بعد فوات الأوان”، موضحًا أن “إعلان المجاعة لا يُنقذ الأرواح، بل يأتي في العادة بعد أن يكون عدد كبير من الأشخاص قد ماتوا بالفعل”.
ويستشهد باور حَسَبَ “العين الإخبارية”، بحالة الصومال عام 2011، حين تم إعلان المجاعة بعد وفاة نصف عدد ضحايا الكارثة جوعًا.
قبل إعلان الكارثة
ورغم تأكيد الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية عدّة بأن غزة على وشك المجاعة، فإن الإعلان الرسمي يظل مشروطًا بمعايير دقيقة، تتطلب أدلة علمية ميدانية، وهو أمر شبه مستحيل في ظل الأوضاع الميدانية الراهنة في القطاع المحاصر.
ما هي المجاعة؟
تعتمد الأمم المتحدة في توصيف “المجاعة” على ما يُعرف بـ”التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، الذي وُضع عام 2004؛ ووفق هذا المؤشر، تصنّف المجاعة كأعلى مرحلة (المرحلة الخامسة) من انعدام الأمن الغذائي، وتتطلب استيفاء ثلاثة شروط:
20% على الأقل من السكان يواجهون نقصًا حادًا في الغذاء.، 30% من الأطفال يعانون من سوء تغذية حاد، وفاة شخصين بالغين من كل 10 آلاف يوميًا نتيجة مباشرة للجوع أو الأمراض المرتبطة بسوء التغذية.
وفي حال استيفاء هذه المعايير، تعود صلاحية إعلان المجاعة رسميًا إلى الحكومات المعنية، ووكالات الأمم المتحدة، والمنظمات المتخصصة، بشرط التحقق من الأدلة العلمية.
الوضع الميداني بغزة
تقول أماند بازيرول، منسقة الطوارئ في منظمة “أطباء بلا حدود”: “لا يمكننا اليوم إجراء التحقيقات اللازمة لتوصيف المجاعة رسميًا، فالمعاينة الميدانية مستحيلة، والوصول إلى السكان لأخذ القياسات الضرورية بات أمرًا معقدًا للغاية”.
من جهته، يؤكد جان رافايل بواتو، مسؤول الشرق الأوسط في منظمة “العمل ضد الجوع”، أن نزوح السكان المتكرر والإخلاءات القسرية التي يفرضها جيش الاحتلال الإسرائيلي الغاشم تجعل من الوصول إلى أكثر المناطق تضررًا أمرًا شبه مستحيل، خصوصًا شمال القطاع.
الجوع الجماعي
وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن العمل على جمع البيانات مستمر وَسْط صعوبات جمة في الوصول للمعلومات والمناطق المنكوبة؛ ويوضح الدكتور نبيل طبال أن: “نحن بأمس الحاجة إلى بيانات موثوقة لتقييم الوضع، لكن التحديات الأمنية واللوجستية تعيق جمع هذه البيانات”.
الموت جوعًا أصبح واقعًا
على الرغْم من غياب الإعلان الرسمي، فإن المؤشرات القادمة من الميدان تنذر بكارثة إنسانية وشيكة؛ حيث أعلن برنامج الأغذية العالمي أن ثلث سكان القطاع لا يأكلون لأيام متتالية، في حين تتزايد حالات سوء التغذية بوتيرة مقلقة.
كما أكد أحد مستشفيات غزة وفاة 21 طفلًا خلال 3 أيام فقط (73 ساعة) بسبب سوء التغذية الحاد والجوع.
ارتفعت أسعار المواد الغذائية القليلة المتوفرة بشكل جنوني، حيث بلغ سعر كيلوغرام الطحين 100 دولار، وهو رَقْم يفوق قدرة الغالبية العظمى من سكان القطاع.
دُمّرت معظم الأراضي الزراعية نتيجة الحرب، ما جعل مصادر الغذاء المحلية شبه معدومة.
تتعرض شاحنات المساعدات القليلة التي تدخل القطاع يوميًا للنهب أو سوء التوزيع، وهي أساسًا لا تلبي حاجات أكثر من مليوني نسمة.
وفي هذا السياق، تؤكد بازيرول أن الحديث عن المراحل التقنية والتصنيفات الأكاديمية لا يغير من الواقع شيئًا، وتقول: “نحن عمليًا في الدرجة الرابعة من التصنيف الأمني الغذائي، أي على بعد خطوة واحدة فقط من المجاعة. هذا توصيف تقني لا يعني الكثير للسكان الذين يموتون فعليًا من الجوع”.
هل يمكن تفادي المجاعة؟
حوالي 100 منظمة إنسانية دولية من بينها “العفو الدولية”، “أوكسفام”، و”كاريتاس”، طالبت إسرائيل بفتح المعابر والسماح بدخول المساعدات الإنسانية بشكل حرّ ومنتظم.
لكن دولة الاحتلال الإسرائيلي تنفي مسؤوليتها، وزعم المتحدث باسم حكومة الاحتلال الإسرائيلية أن “لا مجاعة في غزة سببها إسرائيل”، متهمًا حركة “حماس” بـ”الاستيلاء على المساعدات” – ” على حد تعبيره”، وهي تهمة تنفيها حماس والمنظمات الإغاثية العاملة في القطاع.
في المقابل، أفادت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن أكثر من ألف فلسطيني قُتلوا منذ مايو الماضي في أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز توزيع المساعدات، ووصفت المشهد بـ”القاتم”، حيث تتحول المعونات إلى أفخاخ موت.
وتحمّل فرنسا إسرائيل مسؤولية خطر المجاعة، مشيرة إلى أن “الحصار الإسرائيلي هو السبب الجذري للأزمة”.
المجاعة تقترب والعالم يتلكأ
في وقت تتحول فيه غزة إلى ساحة لواحدة من أفظع الكوارث الإنسانية المعاصرة، يتساءل المراقبون: ما جدوى إعلان المجاعة إذا كان الأطفال يموتون جوعًا فعلًا؟ وهل يبقى الجوع في غزة مجرد توصيف أكاديمي في تقارير المنظمات، أم أنه واقع صارخ يتطلب تحركًا دوليًا فوريًا لا يحتمل المزيد من التأجيل؟
يبقى المؤكد أن قطاع غزة أصبح جائعًا فعليًا، والمأساة تتفاقم كل يوم، وَسْط صمت رسمي، وعجز ميداني، ومواقف متناقضة؛ والموت، كما المعتاد، هو أول من يصل.

