كتب: حمدي عاشور
تلعب الترتيبات الأمنية الجديدة في دول الشرق الأوسط تحوّلًا كبيرًا، وتبقى حدود المنطقة شاهدًا على ما يُمكن أن يحدث في المستقبل القريب.
وبفعل ترتيبات محور المقاومة في المقام الأول، كانت تسعي إيران إلى الحصول على قدرة غير مُقيَّدة لمهاجمة عدوها المعلن دولة الاحتلال الإسرائيلي، من خلال طمس الحدود الرسمية بين لبنان وسوريا والعراق.
أرسى العدو الإسرائيلي خلالها اعتبار هذه الدول ساحات مفتوحة للحرب، والاعتداءات الانتقامية لتقييد النفوذ الإيراني حول حدودها المزعومة.
وخلال السنة التي تلت هجوم حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في أكتوبر 2023 على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وجّه بعدها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضربات إلى شبكة تحالفات إيران الإقليمية، فتحوّلت إسرائيل بفعل تفوقها العسكري إلى المهندس أو الرسام الأساسي لواقعٍ أمنيّ جديد آخذ في التشكّل.
وبرغم تكريس هذا الوضع الذي قد يستغرق سنوات، فإن الأمر المؤكّد هو أن الترتيبات الجديدة ستترسّخ عبر تعزيز الحدود وتوسيع المناطق العازلة المحيطة بدولة الإحتلال.
كما أدّت الانتفاضات في الشرق الأوسط إلى انهيار حدود الدولة السورية، إضافةً إلى حدود الكثير من دول الجوار، تدفَّق على أثرها المقاتلون والأسلحة والتمويل إلى الأراضي السورية واللبنانية والفلسطينية، ما أسفر عن اندلاع حربٍ أعادت تشكيل المناطق الحدودية في هذه الدول.
وهكذا أصبحت الدول صاحبة الحدود المشتركة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وخاصة سوريا ساحةً مفتوحة أمام جميع الأطراف، لكن العامل الحاسم في تحديد المسار اللاحق كان سعي إيران إلى إضعاف الحدود الوطنية ونقل عملياتها إلى مناطق أقرب جغرافيًا من إسرائيل.
فقبل هجوم السابع من أكتوبر، كان الإيرانيون ووكلاؤهم في المنطقة يتمتّعون بحرية تنقّل شبه مطلقة عبر الحدود العراقية السورية، ما مكّنهم من توسيع نفوذهم ليصل إلى جنوب دمشق والمنطقة المتاخمة لحدود الجولان المحتل، وذلك بعد تقدّمهم بسهولة نحو الحدود اللبنانية مع الكيان المحتل.
مع ورود تقارير عن بناء قدرات صاروخية في المناطق المحيطة بها، أمعن حزب الله اللبناني في طمس الحدود بين سوريا ولبنان عبر الاضطلاع بدورٍ محوري في استراتيجية إيران المتمثّلة في تطويق المحتل الإسرائيلي بـ”حزام ناري”.
أشعلت هذه التطوّرات في السنوات الأخيرة قلق الجانب الإسرائيلي، لذلك استهدفت إسرائيل الأنشطة والأصول المرتبطة بإيران من العراق إلى لبنان، وتصاعدت وتيرة هذه العمليات تدريجيًا.
ومع تفضيل واشنطن خلال حقبة الرئيس الأسبق باراك أوباما التفاوض مع إيران، إلى جانب سيطرة روسيا على الأجواء السورية وقت الحرب الأهلية، أدى ذلك إلى فرض قيودٍ على إسرائيل، لكن بعد هجمات السابع من أكتوبر عادت إسرائيل لشن اعتداءتها على كافة الجبهات بهدفٍ مُعلَن، وهو إعادة تشكيل صورة جديدة للشرق الأوسط.
وتندرج عملية إعادة تشكيل المناطق الحدودية في دول الشرق الأوسط في صميم الترتيبات الأمنية الجديدة، وثمّة فرقٌ جوهري بين الوضع الراهن وما كان سائدًا خلال السنوات الإحدى عشرة التي أعقبت اندلاع الانتفاضات العربية، فبدلًا من تفكيك الحدود، تسعى إسرائيل إلى إعادة ترسيم هذه الحدود بما يخدم مصالحها الأمنية والتوسعية.
وتعد الخطوة الأولى على مسار هذا التحوّل الجبري هي إصرار دولة الاحتلال على دفع خصومها بعيدًا عن حدودها، مُستبدلةً ما يُعرف بـ “الحزام الناري” بـ”حزام المناطق العازلة”.
وفي قطاع غزة المحاصر كانت نية إسرائيل المتمثّلة في إنشاء منطقة عازلة على طول حدود القطاع واضحةً منذ البداية، إذ قامت بتدمير مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والمناطق السكنية بعمق كيلومتر واحد تقريبًا على طول حدود قطاع غزة والذي تحاصره منذ عشرين عاماً.
بعدها تم تبنّي هذا النهج رسميًا في إطار خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المكوّنة من عشرين بندًا، والتي تنصّ على انسحابٍ إسرائيلي تدريجي على ثلاث مراحل، ولو تم تنفيذ المراحل الثلاث كافة، وهو أمرٌ غير محسومٍ إطلاقًا، من المتوقّع أن تحتفظ دولة الاحتلال الإسرائيلي بمنطقة حدودية عازلة بعرض نحو كيلومتر واحد على الأقل.
وبالمثل، بعد التصعيد الذي شهدته الحرب على لبنان خلال العام الماضي، لا تزال القوات الإسرائيلية تحتلّ مواقع على طول الحدود اللبنانية الجنوبية، مُخلِّفةً وراءها دمارًا كبير ما زال يحول دون عودة الحياة إلى طبيعتها، وأرضًا قاحلة تشكّل منطقةً عازلة بحكم الأمر الواقع.
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين، وتماشيًا مع قرار مجلس الأمن رقم 1701، تضغط إسرائيل لنزع سلاح حزب الله من جنوب نهر الليطاني، بينما يعيد هذا القرار التأكيد على مضمون القرار 1559 الذي يدعو إلى نزع سلاح الميليشيات في شتّى أنحاء البلاد.
لكن الأصوات المتشدّدة داخل إسرائيل ذهبت أبعد من ذلك، معتبرةً أن نهر الأوّلي الواقع بالقرب من صيدا يجب أن يشكّل حدًّا مُحتملًا جديدًا لمنطقةٍ خالية من وجود حزب الله.
وفي حال تطبيق القرار 1701 واتفاق وقف إطلاق النار للعام 2024، ستكون إسرائيل قد ضمنت على الأقلّ إلى شمالها منطقةً شاسعة مجرّدة من أيّ قدرات عسكرية لحزب الله.
أما في سوريا، فتفصل منطقةٌ عازلةٌ بين القوات السورية والإسرائيلية في مرتفعات الجولان المحتلّة منذ العام 1974، حين حدّدت اتفاقية فضّ الاشتباك أيضًا سقفًا لأعداد الجنود ومستويات الأسلحة لدى الجانبَين، لكن الصراع السوري وسقوط الأسد قلبا رأسًا على عقب جزءًا كبيرًا من هذا الترتيب.
فقد احتلّت إسرائيل أجزاء جديدة من سوريا، بما في ذلك المنطقة العازلة التي أُقيمت بتفويضٍ من الأمم المتحدة، حيث تنوي البقاء “لفترةٍ غير محدودة”.
وعلى الرغم من تنوّع المطالب الإسرائيلية في سوريا، تدور جميعها حول فكرة المنطقة العازلة، فإلى جانب الجولان المحتل والمنطقة العازلة التي تُشرف عليها الأمم المتحدة، أفادت تقارير أن إسرائيل تمارس ضغوطًا من أجل إقامة منطقة أوسع منزوعة السلاح تمتدّ من دمشق وصولًا إلى الجولان، ومع ذلك ما من اتفاق حتى الآن حول المناطق العازلة مع سوريا، بل وسّعت إسرائيل نشاطها العسكري في محيط مرتفعات الجولان، وفرضت تفوّقها الجوي، وأرغمت الجانب السوري على سحب أسلحته الثقيلة من جنوب البلاد.
إلى جانب توسيع المناطق العازلة، ثمّة نمط ثانٍ في المشهد الحدودي الآخذ بالتحوّل في الشرق الأوسط، وهو السعي بخطى حثيثة نحو تأمين الحدود الدولية، فقد أضحت الحدود بين تركيا وسوريا حاليًا أكثر تحصينًا من أي وقت مضى، ولم تعد الحدود العراقية السورية مفتوحةً أمام إيران وأذرعها ، بل جرى تأمينها من خلال شبكةٍ دفاعية متكاملة تضمّ جدارًا بطول 400 كيلومتر تقريبًا وخنادق، انطلق العمل بها في العام 2022 بهدف منع التسلّل من سوريا.
أما الحدود الشمالية للأردن، التي كانت في السابق معبرًا لتهريب الأسلحة والمقاتلين إلى داخل سوريا، ثم تحوّلت إلى ساحة حملةٍ شرسة ضدّ تهريب المخدّرات والأسلحة إلى داخل الأردن “بحسب الرواية الإسرائيلة”، كان بعضها يتّجه إلى المناطق الفلسطينية، فقد شهدت تراجعًا حادًّا في الأنشطة غير المشروعة.
أما أفضل السيناريوهات فهو ما قد يحصل على الحدود اللبنانية السورية، التي جرى تحديدها في العام 1923، لكن من دون استكمال ترسيمها بالكامل، باتت غير واضحة المعالم خلال الحرب السورية بسبب نشاط حزب الله على الأرض.
ومع رحيل الأسد، أصبح وجود الحزب محصورًا في الجانب اللبناني، وشكّلت سوريا ولبنان، بدعمٍ من المملكة العربية السعودية، لجنةً لتنسيق الشؤون الأمنية، وكبح التهريب، وتفادي وقوع اشتباكات بين البلدَين، في ظلّ التأكيد على ضرورة ترسيم الحدود رسميًا.
ومع أن هذه العملية ستكون بطيئة، فمجرّد إطلاقها يُعدّ مؤشّرًا على انحسار النفوذ الإيراني، وتشير عودة الانخراط بين الدولتَين، بدعمٍ من السعودية والولايات المتحدة، إلى بذل مساعٍ لترسيخ نظامٍ حدودي يحول دون عودة الشبكات الموالية لإيران.
صحيحٌ أن عملية ترسيم الحدود ستكون معقّدة، ولا سيما عند المثلّث الحدودي بين سوريا ولبنان وإسرائيل، إلّا أن تعزيزها ثم ترسيمها رسميًا لاحقًا، سيسهمان في ترسيخ النظام الإقليمي الذي يرسم حديثاً.
وثمّة خطٌ فاصل أقلّ وضوحًا، ولكن ليس أقلّ أهمية، آخذٌ في التشكّل بين مناطق العمليات الإسرائيلية والتركية داخل سوريا، فقد أسفر انهيار النظام الذي كانت تهيمن عليه إيران عن نشوء فراغ في السلطة باتت تملؤه راهنًا الولايات المتحدة والسعودية وتركيا وإسرائيل.
ويمكن الإشارة إلى أن العلاقة بين تركيا وإسرائيل، اللتَين تمتلكان أقوى جيشَين في المنطقة، يشوبها التوتّر، ليس بسبب غزة فحسب، بل أيضًا بسبب اختلاف تصوّراتهما ومصالحهما داخل سوريا.
هذا ولم يتضحّ بعد أين ستستقرّ الحدود بين مناطق عملياتهما في نهاية المطاف، وعلى الصعيد الجغرافي لا تبدو دولة الاحتلال الإسرائيلي قلقةً من النفوذ التركي الراسخ في الشمال، إلّا أنها لن تتسامح مع انتشارٍ مماثل في الجنوب.
لكن الجغرافيا ليست سوى جزء من القصة، فتدفّق الأسلحة التركية إلى سوريا، ومقدار السيطرة الجوية الإسرائيلية، وإدارة القوات بالوكالة، جميعها عوامل ستسهم في تشكيل ملامح هذه الحدود التركية الإسرائيلية الناشئة عبر سوريا، ومن المهم أن يتوصّل الطرفان إلى تفاهمٍ متبادل، من أجل توطيد أركان نظام ما بعد إيران وإرساء قدرٍ أكبر من الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
ففي شرقٍ أوسط يتشكّل على نحو متزايد وفقًا للتصوّر الإسرائيلي، من السهل تخيّل هذا المشهد دولةٌ صغيرةٌ قوية ذات حدود مُحصّنة، ومناطق عازلة موسَّعة، وحدود مجاورة مُغلقة في وجه أي تدخّل خارجي، ضمن خريطة أوسع تحدّد أين تنتهي الحدود الاستراتيجية لإسرائيل، وأين تبدأ حدود أو مناطق عمليات جهاتٍ أخرى، وبخاصةٍ تركيا الحليف الأبرز لسوريا.
ويُتوّقع أن تستفيد دول الجوار لإسرائيل مثل سوريا ولبنان من بعض هذه التحوّلات، لكن من الواضح أيضًا أن هذه التغيُّرات تأتي على حساب الحقوق السيادية لتلك الدول أو المناطق التي كانت سابقًا خاضعة لسيطرة محور المقاومة.

