في خطوة تصعيدية تعكس تصاعد التوترات الاقتصادية والأمنية بين الولايات المتحدة والصين، كشفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خُطَّة جديدة تستهدف منع الشركات الصينية من شراء الأراضي الزراعية الأمريكية، خاصة تلك الواقعة بالقرب من المنشآت العسكرية والقواعد الاستراتيجية.
وتأتي هذه الخطوة ضمن ما وصفته الإدارة بـ”المعركة الوطنية لحماية الأمن الغذائي والسيادة الزراعية”، وَسْط تنامي المخاوف من أن صفقات شراء الأراضي الزراعية من قبل كيانات صينية في السنوات الأخيرة تحمل أبعادًا تتجاوز الاقتصاد، وتمتد إلى تهديد الأمن القومي الأمريكي.
خُطَّة وطنية لأمن المزارع
وأعلنت وزيرة الزراعة الأمريكية، بروك رولينز، عن ملامح ما أسمته “خُطَّة العمل الوطنية لأمن المزارع”، مؤكدة أن الإدارة ستتعاون مع حكومات الولايات والحكومات المحلية لاتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية عاجلة، بهدف إيقاف عمليات شراء الأراضي الزراعية الأمريكية من قبل المواطنين الصينيين أو من تصنّفهم الولايات المتحدة كخصوم أجانب.
وفي مؤتمر صحفي بالعاصمة واشنطن، قالت رولينز: “الزراعة الأمريكية لم تكن يومًا مجرد وسيلة لإطعام شعبنا، بل إنها حجر أساس في أمننا القومي. لن نقف مكتوفي الأيدي أمام محاولات الخصوم الأجانب شراء أراضينا الزراعية، وسرقة أبحاثنا الزراعية، وزرع ثغرات خطيرة في أنظمة إمدادات الغذاء والبنية الدفاعية الوطنية.”
مواجهة التمدد الصيني
وبدوره، حذّر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث من أن امتلاك الأجانب، خاصة الصينيين، للأراضي الزراعية القريبة من المنشآت العسكرية يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي، مشيرًا إلى أن بعض تلك الأراضي تقع على مقربة من قواعد صاروخية باليستية نووية ومواقع دفاعية حساسة.
وأوضح هيجسيث: “ملكية الأراضي القريبة من منشآتنا الاستراتيجية تفتح الباب لمخاطر متعددة، من التجسس الإلكتروني إلى مراقبة التحركات العسكرية، وهي مخاطر لا يمكن التهاون معها.”
تاريخ المخاوف التشريعية
وتعكس هذه الخُطَّة تصاعد المخاوف داخل أروقة الكونغرس الأمريكي خلال الأعوام الماضية، لا سيما بعد أن شهدت البلاد عمليات شراء مكثفة للأراضي الزراعية من قبل كيانات صينية.
وحذّرت لجنة الصين بمجلس النواب الأمريكي مرارًا من مخاطر تلك الصفقات، مطالبة بتشديد الرقابة التشريعية على الاستثمارات الأجنبية في القطاع الزراعي. واعتبر جون مولينار، الرئيس الجمهوري للجنة، أن هذه الخطوة تعد إجراءً حيويًا لحماية الأمن الغذائي والسيادة الزراعية الأمريكية.
وقال مولينار:”نمط الصين في شراء الأراضي الزراعية ليس مجرد استثمار اقتصادي عابر، بل جزء من استراتيجية مدروسة تهدف إلى اختراق منظومتنا الزراعية والدفاعية. لا يمكن السماح لهم بتعريض إمدادات الغذاء، التي تعتمد عليها الأسر الأمريكية، للخطر.”
لجنة الاستثمار الأجنبي
وفي إطار الجهود الرامية إلى تشديد الرقابة على الاستثمارات الأجنبية، أعلنت رولينز أن وزارة الزراعة الأمريكية ستنضم رسميًا إلى عضوية لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة (CFIUS) — وهي لجنة حكومية عليا بقيادة وزارة الخزانة الأمريكية، معنية بمراجعة الاستثمارات الأجنبية في ضوء اعتبارات الأمن القومي.
ووفقًا للخطة الجديدة، ستتولى اللجنة توسيع نطاق التحقيقات لتشمل عمليات شراء الأراضي الزراعية وأية استثمارات أخرى ذات صلة بالقطاع الزراعي، بجانب الاستثمارات التقليدية في التكنولوجيا والبنى التحتية.
سابقة من عهد بايدن
يُذكر أنه في عام 2024، أصدر الرئيس الأمريكي جو بايدن أمرًا يُلزم مجموعة صينية بإجبارها على بيع قطعة أرض في ولاية وايومنغ كانت تستخدمها في تعدين العملات الرقمية، بعدما تبيّن أن موقع الأرض قريب من قاعدة نووية أمريكية تضم صواريخ باليستية.
وكانت هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها الحكومة الأمريكية لجنة الاستثمار الأجنبي لإجبار كيان أجنبي على التخلّي عن ملكية أرض أمريكية.
حجم الأراضي المملوكة للصين
ووفقًا لأحدث تقارير وزارة الزراعة الأمريكية لعام 2023، تمتلك كيانات صينية نحو 277,336 فدانًا من الأراضي الزراعية الأمريكية، وهو ما يعادل أقل من 1% من إجمالي الأراضي الزراعية المملوكة للأجانب داخل الولايات المتحدة.
وتتركّز أغلب هذه الأراضي في ولايات تكساس، وكارولاينا الشمالية، وميزوري، ويوتا، وفلوريدا، ما أثار قلق مشرعي تلك الولايات ومجالس الأمن المحلية.
مخاوف من توربينات الرياح
وبالإضافة إلى الأراضي الزراعية، أبدى مسؤولون أمريكيون مخاوف متزايدة من استثمارات صينية في مشروعات طاقة متجددة، خصوصًا توربينات الرياح، التي تحتوي على تقنيات إلكترونية واتصالية يُعتقد أنها قد تُستخدم في عمليات تجسس إلكتروني أو تعطيل إلكتروني للمنشآت العسكرية القريبة.
مستقبل الأراضي الزراعية
وتعهّدت رولينز بأن تبذل الإدارة قصارى جهدها لاستعادة الأراضي التي اشترتها بالفعل شركات صينية، مؤكدًة أن وزارة الزراعة تعمل على حصر تلك الممتلكات بالتنسيق مع سلطات الولايات والجهات الأمنية.
واختتمت تصريحها قائلة: “سنعمل بكل حزم للحفاظ على أراضينا، وتأمين غذاء أمتنا، وإغلاق الأبواب أمام الخصوم الذين يحاولون التسلل عبر مزارعنا.”

