في تطور سياسي بالغ الخطورة، أعلن الاتحاد الأفريقي رفضه القاطع لأي محاولات لتقسيم السودان، وأدان بشكل صريح إعلان قوات الدعم السريع عن تشكيل حكومة موازية في البلاد التي تشهد واحدة من أكثر الحروب دموية وتعقيدًا في تاريخها الحديث منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023.
موقف الاتحاد الأفريقي
في بيان صدر مساء الثلاثاء عن مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، دعا المجلس جميع الدول الأعضاء في الاتحاد والمجتمع الدُّوَليّ إلى “رفض تقسيم السودان”، وعدم الاعتراف بالحكومة الموازية التي أعلنتها قوات الدعم السريع.
خطوة انفصالية تُهدد البلاد
وأكد البيان أن هذه الخطوة “من شأنها أن تُقوّض جهود إحلال السلام وتُهدّد وحدة واستقرار السودان”، محذرًا من عواقب وخيمة على مستقبل البلاد إذا ما تم القبول بأي واقع انقسامي جديد.
خلفية الأزمة
تعود جذور الحرب الأهلية السودانية الحالية إلى صراع على السلطة تفجّر بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهما شخصيتان بارزتان كانتا حليفتين في الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير عام 2019، ثم تولتا السلطة عقب إنهاء الشراكة مع المكون المدني في أكتوبر 2021.
لكن هذا التحالف العسكري سرعان ما انهار، ودخل الطرفان في حرب مفتوحة في أبريل 2023، لتتحول إلى واحدة من أعنف النزاعات المسلحة في القارة الأفريقية، وتنتقل تداعياتها إلى الجوانب الإنسانية والسياسية والاجتماعية.
إعلان حكومة موازية
في سابقة غير معهودة، أعلنت قوات الدعم السريع يوم السبت الماضي عن تشكيل حكومة موازية تضم مجلسًا رئاسيًا وتعيين رئيس وزراء مدني، بناءً على ميثاق سياسي تم توقيعه في فبراير 2024 خلال محادثات أجريت في العاصمة الكينية نيروبي، مع عدد من الجماعات المسلحة والتنظيمات المدنية المتحالفة معها.
ويعد هذا الإعلان تحديًا مباشرًا للسلطة العسكرية المركزية بقيادة الجيش، الذي يسيطر على شمال وشرق ووسط البلاد، خاصة بعد استعادته السيطرة على العاصمة الخرطوم مؤخرًا، في ظل تقدم ميداني حققه ضد قوات الدعم السريع.
السودان بين فكي كماشة
بات السودان عمليًا مقسّمًا من حيث السيطرة العسكرية والميدانية، فبينما يهيمن الجيش السوداني على الشمال والشرق والوسط، بما في ذلك العاصمة الخرطوم، تسيطر قوات الدعم السريع على معظم إقليم دارفور وأجزاء واسعة من ولاية كردفان.
فيما تُشير تقارير حقوقية إلى مجازر دموية ارتكبتها قوات الدعم السريع في مناطق دارفور، أدت إلى مقتل المئات من المدنيين، في مشهد يعيد إلى الأذهان أهوال صراعات دارفور في العقد الأول من القرن الحالي.
كارثة إنسانية غير مسبوقة
لا تقتصر مأساة السودان على المشهد العسكري والسياسي، بل امتدت إلى كارثة إنسانية كبرى. فبحسب الأمم المتحدة: لقي عشرات الآلاف مصرعهم نتيجة الحرب المستمرة، كما أُجبر أكثر من 10 ملايين شخص على النزوح من ديارهم داخليًا وخارجيًا.
وكذا انهارت الخدمات الأساسية في معظم أنحاء البلاد، من الصحة إلى المياه إلى النقل والطاقة، فيما يُصنّف السودان حاليًا كأحد أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع تحذيرات من مجاعات وشيكة وانهيار شامل للبنية التحتية.
الموقف الدُّوَليّ
ورغم النداءات الأممية والبيانات الدولية المطالبة بوقف إطلاق النار وبدء مفاوضات شاملة، لا تزل القُوَى الكبرى عاجزة عن فرض تسوية ملزمة، في ظل تباين المصالح الإقليمية، وانشغال العالم بصراعات أخرى، على رأسها الحرب في أوكرانيا والعدوان على غزة.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن رفض الاتحاد الأفريقي لخطوة الحكومة الموازية قد يُعد محاولة للحفاظ على ما تبقى من وحدة الدولة السودانية، وإن كان دون أدوات تنفيذية حقيقية، ما لم يترافق ذلك مع ضغط سياسي دُوَليّ وإقليمي على طرفي النزاع.
الأمل الأخير للسودان
يقف السودان على مفترق طرق خطير، بين الانهيار الكامل أو احتمال العودة إلى المسار السياسي. ومع إعلان الدعم السريع عن حكومة موازية، تزداد المخاوف من تقسيم فعلي قد يكون تمهيدًا لانفصال إقليمي، كما حدث في جنوب السودان عام 2011.
وحدها إرادة الشعب السوداني، والضغط الدُّوَليّ الحقيقي، يمكن أن يمنعا البلاد من السقوط في الهاوية، في ظل هذا الوضع الكارثي، يظل السؤال مفتوحًا: هل تنجح جهود السلام في إنقاذ السودان؟ أم أن البلاد تمضي نحو مزيد من التفكك والدمار؟

