في لحظة فارقة من التاريخ السوداني المعاصر، ومع انحسار نسبي في موجات العنف والصراع المسلح، بدأت قوافل السودانيين في العودة إلى ديارهم بعد نحو عامين من النزوح القسري إلى دول الجوار.
رحلة العودة هذه لم تكن فقط جسدية، بل هي أيضاً رمزية، تعبّر عن التمسك بالأرض على الرغْم من الألم، وعن أمل لا يزال ينبض وَسْط الركام.
السودانيون يعبرون مجددًا
من مصر وتشاد وجنوب السودان، انطلقت قوافل العائدين إلى السودان في حركة متزايدة ومنظمة، مع تحسن الوضع الأمني في بعض المناطق واستقرار نسبي في ولايات محددة.
وشهد معبر “أرقين” الحدودي بين مصر والسودان عبور عشرات الحافلات المخصصة لنقل العائدين، في مشهد إنساني مفعم بالمشاعر المختلطة، بين فرحة اللقاء بالوطن، وقلق مما ينتظرهم من واقع صعب.
وتقوم منظمات إغاثية دولية بالتعاون مع السلطات السودانية بتنظيم هذه العودة، مع توفير المساعدات الأولية من الغذاء والدواء والسكن المؤقت في مراكز استقبال خصصت لهذا الغرض.
مناطق مدمرة
ورغم بدء العودة، فإن التحديات لا تزل قائمة، إذ إن كثيراً من المناطق في الخرطوم، والفاشر، ونيالا، وكادقلي، غير صالحة للمعيشة بسبب الدمار الواسع للبنية التحتية، وغياب الخدمات الأساسية.
ويجد العديد من العائدين منازلهم وقد تحوّلت إلى أنقاض، ما يدفعهم للجوء إلى المدارس المهجورة أو المخيمات المؤقتة.
وكانت أطلقت منظمات الإغاثة تحذيرات من احتمال تفاقم الأوضاع الإنسانية، خاصة مع تفشي الأمراض ونقص المياه النظيفة والرعاية الصحية.
خُطَّة العودة الآمنة
وكانت أعلنت السلطات السودانية، بالتنسيق مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وعدد من الشركاء الدوليين، عن خُطَّة وطنية لإعادة دمج العائدين.
وتشمل الخُطَّة توزيع مساعدات غذائية ومادية، وإنشاء ممرات إنسانية آمنة لنقل العائدين من نقاط الحدود إلى داخل البلاد، مع تأكيد ضرورة أن تكون العودة طوعية، تحفظ كرامة الإنسان وتراعي ظروفه المعيشية.
ودعت الحكومة الدول المضيفة إلى تسهيل إجراءات مغادرة السودانيين، وضمان توفير الحماية القانونية لهم حتى عودتهم.
الدور المصري
في مشهد يعكس عمق العلاقات التاريخية بين مصر والسودان، سيرت هيئة السكك الحديدية المصرية قطاراً خاصاً لنقل السودانيين من القاهرة إلى أسوان يوم 21 يوليو 2025، ضمن ترتيبات العودة الطوعية إلى وطنهم.
وانطلق القطار رَقْم 1940 من محطة مصر في الساعة 11 صباحاً ليصل إلى أسوان في الساعة 11 مساءً، على أن يعود في اليوم التالي بقطار رَقْم 1945 لنقل الركاب من أسوان إلى القاهرة.
وقد تم تجهيز القطار بكافة التسهيلات اللازمة، إلى جانب وجبات مجانية للركاب.
رسائل شكر وعرفان
ارتدى المنظمون لرحلات العودة قمصاناً كُتب عليها “شكراً مصر”، كما تم توزيع وجبات مطبوع عليها نفس الرسالة، في تعبير صادق عن الامتنان للمساعدة المصرية خلال فترة النزوح.
وقد لاقت هذه اللفتة ترحيباً واسعاً بين العائدين، الذين وصفوا مصر بأنها كانت “البيت الثاني” الذي احتضنهم في وقت الشدة.
وأكدت وزارة النقل المصرية أن هذا الجهد يأتي في إطار العلاقات الأخوية الوثيقة بين البلدين، والتزام الدولة المصرية بمسؤولياتها الإنسانية والإقليمية.
تكليفات وزارية
أصدر الفريق مهندس كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصناعة والنقل، توجيهاته إلى قيادات هيئة السكك الحديدية بتوفير كافة التسهيلات اللازمة لراحة الأشقاء السودانيين، حتى وصولهم إلى ميناء السد العالي النهري بسلام.
وتمنت الهيئة القومية لسكك حديد مصر رحلة آمنة وعودة كريمة للسودانيين إلى وطنهم، مؤكدة التزامها الكامل بأداء دورها الإنساني والمجتمعي.
بدأ رحلة الترميم
يحمل العائدون معهم قصصاً من الفقد، والشتات، والحنين، لكنهم في الوقت ذاته يحملون أملاً كبيراً في أن تكون هذه العودة بداية لصفحة جديدة من الاستقرار، والمصالحة، وإعادة الإعمار.
تقول فاطمة، أم لأربعة أطفال، عادت من مدينة أسوان: “رجعنا يمكن نلاقي بيت، ويمكن لأ.. بس كفاية إننا على أرضنا. دي البداية.”
ومع كل قطار يصل، وكل عائلة تعود، يبدأ السودان رحلة طويلة من الترميم… ترميم البيوت، وترميم النفوس.

