في خطابه أمام المنتدى الاقتصادي المصاحب للقمة المصرية- الأوروبية، دعا الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى «النظر إلى مصر، ليس فقط كسوق استهلاكية واعدة، بل كشريك إنتاجي موثوق، يمكن أن يحتضن خطوط إنتاج أوروبية، تخدم الأسواق العالمية والأوروبية بكفاءة وتكلفة تنافسية. تشير دعوة السيد الرئيس إلى أهمية التحول إلى الاقتصاد المنتج الذي يعتمد على تحويل مدخلات العملية الإنتاجية، ومنها العمل ورأس المال بكفاءة إلى كميات كبيرة من السلع والخدمات ذات القيّمة العالية. وهو مُحرِّك رئيسي للنمو الاقتصادي، وتعزيز القدرة التنافسية. إلا أن زيادة الإنتاج مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بزيادة الإنتاجية وكما هو معروف فالإنتاجية «هي مقياس للأداء يقارن كمية السلع والخدمات المنتجة بكمية المدخلات والموارد المستخدمة في عملية الإنتاج،. بمعنى آخر، هي مقياس لكفاءة استخدام الموارد.
وتتزامن هذه الدعوة مع تحسن بعض مؤشرات الاقتصاد الكلى في مصر، مثل ارتفاع معدل النمو السنوي، خلال الربع الأخير من العام المالي 2024/2025 إلى «4.4%»، مقارنة بـ«2.4%»، في العام المالي السابق وإشادة صندوق النقد الدولي باتباع مصر سياسة صرف مرنة، و ذلك بالإضافة الى رفع التصنيف الائتماني لمصر من قبل مؤسسات التصنيف الائتماني. من جانبها قطعت مصر شوطا طويلاً في تحقيق الامن و الاستقرار و في انشاء البنية التحتية والتكنولوجية اللازمة لجذب الاستثمارات، مما يتيح لها المرونة والجاهزية كشريك إنتاجي موثوق مع الاتحاد الأوروبي وغيره من الكيانات الاقتصادية، إلا أنه بالإضافة الى النمو الاقتصادي وسعر الصرف فإن مؤشرات الاقتصاد الكلي، تشتمل كذلك على معدل التضخم والناتج المحلي الإجمالي وميزان المدفوعات والميزان التجاري و في هذا الصدد يلفت الانتباه مقال الكاتب عبد الفتاح الجبالي المنشور بجريدة الأهرام بتاريخ 22 من أكتوبر 2025، أولا: إلى أن عجز الميزان التجاري يصل إلى 51 مليار دولار فى عام 2024/2025 (مقابل 39.5 مليار دولار عام 2023/2024)، ثانيا: إلى تراجع نسبة تغطية الصادرات للواردات لتصل إلى 45% فقط. ثالثا: ان هيكل الصادرات المصرية يغلب عليه السلع التقليدية مثل الملابس الجاهزة والأسمدة والحديد ومنتجاته، ، بالإضافة إلى تدهور أوضاع الإنتاج والإنتاجية، بحيث لم يعد الجهاز الإنتاجي قادرا على تلبية الطلب بشقيه المحلي والخارجي. والتعامل مع هذه التحديات يتطلب التحول إلى الاقتصاد المنتج عن طريق التركيز على زيادة الإنتاج والإنتاجية واللذين أصبحا ضرورة ملحة لتحسين واستقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي.
وللإسراع في تحقيق نقلة في هذا الاتجاه يمكن النظر في إنشاء مجلس أو هيئة عليا للإنتاجية تكون مهمتها زيادة الإنتاجية والتنافسية للاقتصاد المصري، من خلال دراسة وتحليل التطورات والتحديات المتعلقة بالإنتاجية والقدرة التنافسية للاقتصاد واقتراح سياسات متوازنة لدعم الابتكار وزيادة المهارات وقد يكون من المفيد التعرف على تجربة الهند فى إنشاء المجلس الوطني للإنتاجية الذي تأسس عام 1958، وهو هيئة مستقلة تابعة لوزارة التجارة والصناعة وتتمثل رؤيته فى أن يكون رائدا في المعرفة الإنتاجية وأن يوفر أحدث الخدمات للاقتصاد الهندي لكي يصبح قادرا على المنافسة عالميا وأن يسهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة للبلاد من خلال تعزيز الإنتاجية القائمة على الابتكار في جميع مجالات الاقتصاد الوطني. وإلى جانب إجراء البحوث في مجال الإنتاجية، يُقدم المجلس خدمات استشارية وتدريبية في مجالات الهندسة الصناعية، والأعمال الزراعية، وإدارة الجودة، وإدارة الموارد البشرية، وإدارة التكنولوجيا، والإدارة البيئية، وغيرها، للحكومة ومؤسسات القطاعين العام والخاص. ويشير موقع المجلس الوطني للإنتاجية إلى أن المجلس عضو في منظمة الإنتاجية الآسيوية التي يقع مقرها في طوكيو، وهي هيئة حكومية دولية تعد حكومة الهند أحد أعضائها المؤسسين.
بالإضافة إلى النظر في إنشاء هيئة عليا للإنتاجية، فعلى الحكومة والقطاع الخاص مجتمعين إيلاء اهتمام خاص بالتوسع مكانيا وقطاعيا أولا في دعم بناء رأس المال البشرى، باعتباره أحد أهم محاور العملية الإنتاجية، وهو الأساس لأي تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة والذي يشمل الصحة والتعليم ويتضمن إعادة تأهيل وهيكلة التعليم والتدريب الفني والمهني على المستويين المحلي والإقليمي لبناء الكوادر في مجالات الإدارة والتسويق والاتصالات والتوسع في التعليم والتعلم عن بعد والذي يتطلب وصول التكنولوجيا بكفاءة الى القرى. و ثانيا: دعم الرقمنة والابتكار والتكنولوجيا وثالثا: دعم تحديث وتمكين الشركات ومنشآت الأعمال المحلية للقيام بدورها في خلق فرص عمل وتحسين جودة الحياة على المستوى الإقليمي . والإشارة إلى الدعم هنا لا تشتمل فقط على توجيه الاستثمارات ولكن تشتمل بالأساس على إتاحة الخبرات وتشتمل على تعديل اللوائح والتشريعات والقوانين وإزالة المعوقات الإدارية وتشتمل على إتاحة المعارف والتوسع في التقييم والمتابعة والبحوث والدراسات للتعريف بالتجارب والدروس المستفادة لدعم السياسات وصناعة القرار على المستوى المحلي والإقليمي وعلى المستوى القومى.
نقلا عن جريدة الأهرام

