في حكم قضائي حاسم يعكس احترام القضاء المصري لحقوق الملكية الفكرية وصون التراث الفني للأسماء الكبرى في تاريخ الفن العربي، قضت المحكمة الاقتصادية بالقاهرة بإلزام الشركة المنتجة لإعلان “دقوا الشماسي”، الذي عُرض خلال عام 2024، بدفع مبلغ نصف مليون جنيه مصري لصالح ورثة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، وذلك تعويضًا عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بهم نتيجة استغلال أغنية الفنان دون إذن مسبق.
ملابسات القضية
تعود أحداث الواقعة إلى العام الماضي، حينما فوجئ جمهور المشاهدين وأسرة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ ببث إعلان تجاري عبر عدد من القنوات الفضائية والمنصات الرقمية، يحمل اسم “دقوا الشماسي”، ويتضمن استخدامًا غير قانوني لأغنية من أداء العندليب الأسمر تحمل ذات الاسم.
ووفقًا لما ذكره المستشار ياسر قنطوش، محامي ورثة الفنان الراحل، فقد لجأت الأسرة إلى القضاء بعد أن اعتبرت الإعلان مسيئًا للفنان الكبير، لما فيه من تشويه للأغنية الأصلية وتحريف لطبيعة الأداء الغنائي والتمثيلي الخاص بالفنان، على نحو أضر بقيمته الفنية وتاريخه العريق.
وأوضح قنطوش في تصريحات صحفية أن الإعلان تضمن إعادة تقديم الأغنية في سياق تجاري وبتعديل في كلماتها وأدائها، بما يخل بمضمونها الأصلي، الأمر الذي اعتبره الورثة انتهاكًا صريحًا لحقوق الملكية الفكرية والأدبية.
تفاصيل الدعوى
بناءً على ذلك، أقام محامي ورثة عبد الحليم حافظ دعوى قضائية أمام المحكمة الاقتصادية طالب فيها بـ “وقف بث الإعلان بجميع وسائله وأشكاله؛ وكذا الحصول على تعويض مادي وأدبي من جرّاءِ الضرر الذي لحق باسم وتاريخ الفنان الراحل”.
إثبات واقعة الاعتداء على الحقوق الأدبية والمادية الخاصة بالأغنية، باعتبارها ملكًا لورثة الفنان ولا يجوز استغلالها دون تصريح أو اتفاق قانوني.
وقدَّم المستشار قنطوش إلى المحكمة “فلاش ميموري” يتضمن تسجيلات الأغنية الأصلية بصوت عبد الحليم حافظ، إلى جانب مقاطع من الإعلان المذاع، لبيان أوجه التعدي والتشويه التي طالت العمل الفني الأصلي.
كما أوضح في مذكرة الدعوى أن الإعلان أساء إلى صورة الفنان، وساهم في تغيير هوية العندليب الأسمر الفنية، وهو ما أثار غضب واستياء أفراد الأسرة ومحبيه.
الحكم القضائي
وعقب تداول القضية في عدة جلسات والاستماع إلى مرافعات الدفاع والاطلاع على الأدلة الفنية المقدمة، قضت المحكمة الاقتصادية بإلزام الشركة المنتجة للإعلان بسداد تعويض مادي قدره 500 ألف جنيه لمصلحة ورثة الفنان الراحل، مع تحميلها كافة المصاريف وأتعاب المحاماة.
وأكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن استغلال الأعمال الفنية دون إذن كتابي من أصحاب الحقوق أو ورثتهم الشرعيين يُعد مخالفة صريحة لقانون حماية حقوق الملكية الفكرية رَقَم 82 لسنة 2002، ويستوجب التعويض عن الأضرار المترتبة عليه سواء كانت مادية أو أدبية.
أسرة عبد الحليم حافظ
من جانبه، أعرب محامي ورثة عبد الحليم حافظ عن ارتياح الأسرة للحكم الصادر، مؤكدًا أنه يمثل انتصارًا للحقوق الأدبية والفنية، ورسالة واضحة لكل من تسوّل له نفسه استغلال الأعمال الفنية الخالدة لتحقيق مكاسب تجارية على حساب المبدعين.
وأشار قنطوش إلى أن هذا الحكم يُرسخ لمبدأ احترام حقوق الورثة في حماية إرثهم الأدبي والفني، موضحًا أن ورثة عبد الحليم حافظ سيواصلون متابعة أي تعدٍ أو استغلال غير مشروع لأعمال الفنان، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة حياله.
حليم رمز الغناء العربي
جدير بالذكر أن عبد الحليم حافظ (1929 – 1977) يُعد أحد أعظم رموز الغناء العربي في القرن العشرين، حيث ترك إرثًا غنائيًا زاخرًا بالأعمال الخالدة التي لا تزل تتردد في وجدان الأجيال المتعاقبة.
وتمتاز أغنياته بقيمتها الفنية العالية وصوتها العذب الذي تجاوز حدود الزمان والمكان.
ويُعد الحفاظ على أعمال عبد الحليم حافظ من الحقوق الأصيلة لورثته، بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية، التي تضمن استمرار صيانة هذا التراث من أي انتهاك أو استغلال تجاري غير مشروع.

