البحر الأحمر هو ذاك الشريط المائي البحري الذي يفصل بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا، ويتمتع بموقع إستراتيجي مميز، حيث يصل بين القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويربط المحيط الهندي وخليج عدن وبحر العرب بالبحر الأبيض المتوسط.
الملاحة بالبحر الأحمر
ومع تلك الأهمية الاستراتيجية تمثل عودة الملاحة في البحر الأحمر مجددًا حدثا عالميا، وإن كانت بصوت خافت، بالتزامن مع تراجع الهجمات الحوثية التي تركزت في الآونة الأخيرة ضمن نطاق محدد يستهدف السفن ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بإسرائيل.
وعلى الرغم من استمرار حالة القلق بين مالكي السفن وشركات الملاحة الدولية، بدأت شرايين التجارة البحرية تنبض من جديد في هذا الممر المائي الاستراتيجي، بعد أشهر من الاضطراب والتوتر.
أهمية البحر الأحمر
يُعد البحر الأحمر شريطًا مائيًا بالغ الأهمية، يفصل بين شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا، ويتميّز بموقع استراتيجي يربط المحيط الهندي وخليج عدن وبحر العرب بالبحر الأبيض المتوسط، وصولًا إلى قناة السويس.
وتكمن أهميته في كونه أحد أكثر طرق الملاحة البحرية الدولية حيوية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية، وتنتشر على سواحله دول تُعد من أبرز المنتجين للموارد الطاقوية.
كما تُعد مضائقه وجزره نقاطًا أمنية حساسة جعلت منه ساحة تنافس إقليمي ودولي ومركزًا لوجود قواعد عسكرية أجنبية.
تحسّن تدريجي بالملاحة
أوضح الأميرال اليوناني فاسيليوس جريباريس، قائد مهمة “أسبيدس” الأوروبية لحماية الملاحة في البحر الأحمر، أن حركة السفن ارتفعت بنسبة 60% منذ أغسطس 2024، لتصل إلى نحو 36-37 سفينة يوميًا، بعد أن كانت قد هبطت إلى 20-23 سفينة يوميًا في ذروة التصعيد.
وأشار جريباريس حَسَبَ “العين الإخبارية”، إلى أن هذا التحسن جاء عقب تباطؤ الهجمات الحوثية التي استهدفت في السابق السفن بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، وأيضًا بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار بين الحوثيين والولايات المتحدة مؤخرًا.
هدنة غزة
ويرتبط هذا الانحسار في الهجمات ارتباطًا مباشرًا بـ الهدنة المؤقتة في قطاع غزة، التي ساهمت في خفض التوتر الإقليمي؛ فمنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في نوفمبر 2023، أطلق الحوثيون حملة بحرية مسلحة استهدفت سفنًا تجارية زعموا أنها مرتبطة بإسرائيل أو سبق لها التوقف في موانئها.
مهمة أسبيدس
تأسست مهمة “أسبيدس” ضمن الاتحاد الأوروبي لحماية هذا الممر البحري الحيوي الذي يربط بين البحر المتوسط والخليج وآسيا عبر قناة السويس.
وفي فبراير الماضي، تم توسيع صلاحيات المهمة لتشمل رصد شحنات الأسلحة غير القانونية، ومراقبة السفن الناقلة للنفط الروسي الخاضع للعقوبات.
وبحسب جريباريس، نفذت القوات المشاركة ضمن المهمة عمليات تأمين مباشرة لـ 476 سفينة، وأسقطت 18 طائرة مسيّرة، ودمرت زورقين مفخخين كانا يخططان لاستهداف سفن تجارية، واعترضت 4 صواريخ باليستية.
القيود وتحذيرات للملاحة
وأكد جريباريس أن الحوثيين أعلنوا صراحة استهداف السفن ذات الصلة بإسرائيل فقط، قائلاً: “إذا كانت السفينة لا تنطبق عليها هذه المعايير، فهناك احتمال يفوق 99% بألّا تتعرض للهجوم”.
لكنه أشار إلى أن بعض الشركات لا تزال تتجنب المرور بهذا الطريق نظرًا للمحدودية العددية لسفن الحماية الأوروبية، ما يؤدي أحيانًا إلى تأخير السفن لمدة تصل إلى أسبوع في انتظار المرافقة.
وأوضح أن “أسبيدس” تشغّل ما بين سفينتين إلى ثلاث سفن حربية في آنٍ واحد، وطالب الاتحاد الأوروبي بزيادة عدد السفن المشاركة إلى 10 لتعزيز فعالية الحماية وتغطية خطوط الملاحة الحيوية.
انتعاش حذر
في ظل هذه الهدنة الهشة في قطاع غزة، التي أوقفت جزءًا كبيرًا من التصعيد الإقليمي، تشهد الملاحة في البحر الأحمر مرحلة من الانتعاش الحذر، مع استمرار وجود تهديدات مرتبطة بأي صلة بإسرائيل.
في الوقت ذاته، تعمل القُوَى الدولية والإقليمية — وفي مقدمتها مصر — على ضمان استقرار هذا الشريان البحري الحيوي، الذي يظل عنصرًا حساسًا في معادلة الصراع الممتد من سواحل غزة إلى مضيق باب المندب.

