في قلب إنجلترا في القرن السابع عشر، حينما كان الهوس بالشعوذة والسحر الأسود يجتاح أوروبا، ظهر رجل يُدعى ماثيو هوبكنز، كتب اسمه بمداد من الدم والرعب في تاريخ محاكمات الساحرات، حتى لُقب بـ”صائد الساحرات Witchfinder General”، وهو لقب لم يُمنح رسميًا من الملك، وإنما نصّبه به الرعب الشعبي.
من هو ماثيو هوبكنز؟
وُلد ماثيو هوبكنز عام 1620 في مقاطعة سوفولك بإنجلترا، وكان الابن الرابع لقسيس إنجليكاني. لم يكن هوبكنز رجل دين أو قاضٍ رسميًا، بل كان محامٍ بسيط لم يعرف له دور قضائي ثابت. إلا أن الأقدار السياسية والدينية المضطربة في إنجلترا آنذاك، خلال الحرب الأهلية الإنجليزية (1642–1651)، فتحت له الطريق ليصبح أشهر صائد للساحرات في تاريخ إنجلترا.
هوس الساحرات
في عام 1644، ادعى هوبكنز أنه سمع مجموعة من النساء في بلدة مانينجتري (Manningtree) يتآمرن مع الشيطان. ومن هنا بدأ نشاطه في اصطياد الساحرات، حيث أعلن نفسه “المفتش العام عن الساحرات” بالتعاون مع مساعده جون ستيرن.
وفي غياب سلطة مركزية قوية بسبب الحرب الأهلية بين الملكيين والبرلمانيين، استطاع هوبكنز أن يستغل الذعر الشعبي والخرافات السائدة لتحقيق نفوذه، مدعومًا بمذكرات تفويض من سلطات محلية مهووسة بالخوف من السحر.
طرق التحقيق والتعذيب
اشتهر ماثيو هوبكنز بابتكار أساليب تعذيب شنيعة لاستخراج الاعترافات من النساء المتهمات بالسحر. ومن أشهر هذه الطرق:
اختبار الغرق: يُربط جسد المتهمة بالحبال وتُلقى في النهر. فإن غرقت فهي بريئة، وإن طفت على السطح فهي ساحرة يُحكم عليها بالإعدام.
البحث عن علامات الشيطان: حيث يُفحص جسد المتهمة بحثًا عن أي شامة أو ندبة أو علامة جلدية يزعم هوبكنز أنها مكان “رضاعة الأرواح الشريرة”.
الإجهاد الجسدي: بإجبار المتهمة على الوقوف لساعات طويلة دون نوم أو طعام حتى تنهار وتعترف.
الوخز بالإبر: إذ يطعن جسد المتهمة بدبابيس حادة في أماكن الشك، معتقدًا أن الساحرة لا تشعر بالألم في مواضع معينة.
حصيلة دموية
في خلال 3 سنوات فقط من نشاطه الدموي، ما بين 1644 و1647، تسبب ماثيو هوبكنز في إعدام ما يزيد على 300 امرأة أغلبهن من الفقيرات والعجائز والنساء الوحيدات أو المختلفات اجتماعيًا.
وقد فاق عدد من أعدمهم عدد من قُتلوا بتهمة السحر في إنجلترا على مدار القرن السابق كله.
نهايته
انقلب الرأي العام عليه سريعًا مع تزايد عدد الإعدامات وانكشاف بشاعة ممارساته. وبدأ القضاة ورجال الدين يتساءلون عن شرعية أفعاله.
وفي عام 1647، توفي ماثيو هوبكنز بشكل مفاجئ عن عمر 27 عامًا فقط. ورغم تضارب الروايات حول موته، إلا أن المرجح أنه قضى نحبه بمرض السل.
ووفقًا لبعض الحكايات الشعبية، قيل إنه خضع لاختبار الغرق ذاته الذي كان يُجريه على ضحاياه، فثبتت عليه التهمة وغرق. لكن لا توجد دلائل تاريخية رسمية تؤكد هذه القصة.
إرث ماثيو هوبكنز
بوفاته، انتهت واحدة من أسوأ موجات محاكمات الساحرات في إنجلترا. وأصبح اسمه مرادفًا للظلم الديني والذعر الجماعي. وخلّدته كتب التاريخ كشخصية رمزية لفترة من أحلك فصول الاضطهاد الإنساني.
واليوم، صار ماثيو هوبكنز رمزًا للتحذير من خطر الهوس الشعبي الديني والسياسي، والتسلط باسم الأخلاق والخرافة.
أبطال الخوف والخرافة
تظل قصة ماثيو هوبكنز صدى لتحذير تاريخي لا يموت، مفاده أنه حينما يُسلّم الناس عقولهم للخوف والخرافة، يصبح الطغاة أبطالًا مؤقتين، لكن التاريخ لا يرحمهم أبدًا.


