في قلب الصحراء اليمنية، وعلى بُعد أميال من مدينة ذمار، يقع كهفٌ موحشٌ يُعرف بين الناس باسم كهف دِمّار. مكانٌ مُهجَر، يحيطه صمتٌ ثقيل كأن الأرض نفسها تتوقف عن التنفس عند مشارفه. كانت النسوة يحذّرن أطفالهن من الاقتراب منه قائلات: “ذاك مسكن الجن الأولين.. من دَخَله بغير عهدٍ، لا يعود!”
سر الكهف
تحكي الأساطير أن قوم عاد العتاة الذين تحدّوا نبيّهم، فرّوا من عذاب الله واختبأوا في مغارات الأرض، وكان كهف دِمّار أعظمها. وفيه -كما يُقال- عاش سادة من الجن القدماء، ظلّوا حبيسيه لآلاف السنين، يحمون سرًّا عظيماً من أسرار العالم السفلي.
الأصوات المجهولة
في الليالي القمرية، كان أهل القرى القريبة يسمعون أصوات بكاء أطفال تتعالى من أعماق الكهف… وصوت امرأة تنوح بلحنٍ يشقّ القلب. لم يجرؤ أحد على الاقتراب، وكان البدو يشعلون النيران حوله، ويتركون حُزمة حطب وقطعة خبز عند بابه، كقرابين لسكّانه من العالم الآخر.
الرجل الذي تجرأ
ذات ليلة، في إحدى سنوات الجفاف، قرر راعٍ شاب يُدعى سالم أن يغامر بالدخول بحثًا عن الماء أو كنزٍ يروي عطش قريته. حمل مصباح زيت، وتقدّم نحو فم الكهف، وما إن وطأت قدماه الأرض داخله حتى شعر برعشةٍ تسري في عظامه.
روى من تبقّى من شهود الحادثة، أن صرخةً مدويةً شقّت ظلام الليل بعد دقائق من دخوله… ثم خيّم الصمت.
في اليوم التالي، عثر القرويون على عصاه المكسورة عند مدخل الكهف، دون أثرٍ له.
اللعنة التي تطارد الداخلين
منذ تلك الليلة، شاع في أرجاء اليمن أن من يجرؤ على دخول كهف دِمّار، يُصيب قلبه جنونٌ لا شفاء له. إما يُعثر عليه فاقدًا للعقل، يتحدّث بلغةٍ غريبة، أو يُفقد للأبد.
ويُقال إن المكان لا يعرف نور الشمس… وإن داخله يسكن جنّيٌ أعمى ذو عينٍ ثالثة في جبينه، يحرس بوابة إلى العالم السفلي.
صدى بكاء الأطفال
لا يزال كهف دِمّار إلى اليوم موضع رعبٍ وحكاياتٍ يتداولها الشيوخ على نيران المجالس.
ورغم مرور العصور، لم يجرؤ أحد على كشف أسراره، ولا زال صدى بكاء الأطفال يُسمع في الليالي القمرية.

