في تحرّك دبلوماسي لافت يعكس تباين أولويات الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، شهد البيت الأبيض مؤخراً قمة أمريكية أفريقية مصغّرة جمعت ترامب مع عدد من قادة الدول الأفريقية، في لقاء اتسم بطابع استراتيجي، حيث طُرحت على طاولة النقاش ملفات التجارة، الأمن، الهجرة، والمعادن الاستراتيجية، في ظل مساعٍ أمريكية واضحة لمنافسة الحضور الصيني المتزايد في القارة السمراء.
مأدبة غداء سياسية الطابع
القمة التي انعقدت أمسِ الأربعاء، حضرها زعماء من الغابون، غينيا بيساو، ليبيريا، موريتانيا، والسنغال، على مأدبة غداء رسمية دعا إليها الرئيس الأمريكي؛ وبحسب تقرير موسع نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية، فقد ركّز ترامب خلال هذا الاجتماع على القضايا ذات البُعد الاقتصادي والأمني التي تهم الطرفين، مع إيلاء اهتمام خاص بملف المعادن الحيوية، في وقت تعيد فيه الولايات المتحدة تقييم تحالفاتها الأفريقية أمام تمدد النفوذ الصيني والروسي.
بين التجارة والمساعدات
ورغم أن إدارة ترامب عرفت بتقليص انخراطها في الشأن الأفريقي، سواء من خلال خفض المساعدات أو فرض قيود تأشيرات على عدد من الدول، إلا أن هذا اللقاء يعكس رغبة أمريكية في الحفاظ على قنوات اتصال نشطة مع دول محددة في القارة، خاصة تلك التي تملك ثروات طبيعية حيوية للصناعات التكنولوجية والعسكرية.
وقال تروي فيترِل، كبير دبلوماسيي ترامب لشؤون أفريقيا، الذي يستعد لمغادرة منصبه قريباً، في تصريحات سابقة: “لطالما كان الشعار (التجارة لا المساعدات) هو ما يُردَّد، لكنه الآن أصبح السياسة الرسمية للإدارة الأمريكية تجاه أفريقيا.”
سياسات البيت الأبيض بإفريقيا
ويرتبط توجه الإدارة الأمريكية السابقة إزاء أفريقيا بآراء مسعد بولُص، المستشار الأول لترامب في الشؤون الأفريقية، الذي يُعد أيضاً والد زوج ابنة ترامب. ويُنسب إليه الفضل في التوصل إلى اتفاق السلام الأخير بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ما اعتُبر تمهيداً لفتح أبواب الاستثمار الأمريكي في قطاع المعادن الاستراتيجية الغني في الكونغو.
ثروات حيوية
تستهدف واشنطن من هذه التحركات الدول الصغيرة نسبياً من حيث الناتج المحلي، لكنها غنية بالثروات المعدنية النادرة، على رأسها المنغنيز، البوكسيت، والنحاس. وتمثل هذه الثروات فرصاً استثمارية جديدة لشركات التعدين الأمريكية، لاسيما في دول لا تزل الصين عاجزة عن الهيمنة الكاملة عليها.
ويعتبر مراقبون أن هذا التوجه نظريًا خطوة ذكية من واشنطن، لكن نجاحها عمليًا يظل مرهونًا باستعداد شركات القطاع الخاص الأمريكي لتحمل المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالعمل في منطقة الساحل، التي تعاني اضطرابات سياسية وهجمات مسلحة متكررة.
انسحاب عسكري
في المقابل، تشهد منطقة الساحل الأفريقي تراجعاً تدريجياً للوجود العسكري الأمريكي، حيث اضطرت القوات الأمريكية للانسحاب من عدة قواعد هناك منذ عام 2020، في أعقاب الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي دفعت بالأنظمة الحاكمة إلى التحالف مع موسكو بدلًا من واشنطن.
لكن هذا الانسحاب لا يعني تراجع الأهمية الاستراتيجية للمنطقة في الحسابات الأمريكية. ففي مايو الماضي، حذّر الجنرال مايكل لانجلي، قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، من أن منطقة الساحل تحوّلت إلى “بؤرة صراع طويل الأمد” وأصبحت “مركز الإرهاب في العالم”، محذرًا من إمكانية تصاعد تهديدات الجماعات الإرهابية ووصولها إلى سواحل غرب أفريقيا، ومن ثم استهداف مصالح أمريكية أو حتى أراضٍ أمريكية.
ورقة الهجرة وأزمة التأشيرات
في سياق آخر، شكّلت قضية الهجرة جزءًا من محادثات القمة المصغّرة. وتسعى إدارة ترامب منذ ولايته الرئاسية إلى ترحيل المهاجرين بشكل أكثر صرامة، بما في ذلك إعادة بعضهم إلى دول أفريقية لا تُعد بلدانهم الأصلية، كما حدث مؤخرًا مع مهاجرين من جنوب السودان.
وتزايدت في السنوات الأخيرة معدلات الهجرة الأفريقية غير النظامية نحو الحدود الأمريكية عبر المكسيك، خاصة من موريتانيا والسنغال، مع تشديد القيود الأوروبية على الهجرة. وفي خطوة أثارت جدلاً، فرضت واشنطن العام الماضي حظرًا على السفر شمل سبع دول أفريقية، ومنحت 36 دولة أخرى — بينها الغابون وليبيريا وموريتانيا والسنغال — مهلة 60 يومًا لمعالجة ملفات التدقيق الأمني أو مواجهة حظر تأشيرات.
وأثّر هذا الوضع على أنشطة رياضية وثقافية أيضًا؛ إذ ألغى منتخب السنغال لكرة السلة للسيدات معسكره التدريبي في الولايات المتحدة الشهر الماضي بعد رفض منح تأشيرات لعدد من أعضائه.
سباق على خيرات أفريقيا
يتضح من هذا اللقاء أن الولايات المتحدة لا تزال حريصة على الحفاظ على موطئ قدم مؤثر لها في أفريقيا، خصوصًا في القطاعات الحيوية مثل المعادن الاستراتيجية، وَسْط تنافس محموم مع الصين وروسيا. ومع تحوّلات الأمن والهجرة في المنطقة، تظل العلاقات مع دول الساحل وغرب أفريقيا محورية في أي استراتيجية أمريكية مقبلة، سواء في عهد ترامب أو أي إدارة أمريكية لاحقة.

