وَسْط تعقيدات مستمرة ومساعٍ دبلوماسية حثيثة، يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة يقترب من التحقق، مع تضييق الفجوة بين مواقف كل من إسرائيل وحركة حماس إلى ما لا يتجاوز 200 متر فقط، وهو ما اعتبره مراقبون رمزًا لتقلص الفجوة، لكنه في الميدان يعني الكثير.
هدنة غزة
وتتركز نقطة الخلاف الجوهرية في الوقت الراهن على خطوط انسحاب القوات الإسرائيلية من منطقة محور فيلادلفيا، وهي الشريط الحدودي الحساس بين قطاع غزة ومصر، وبالأخص عمق الانتشار الأمني الإسرائيلي في جنوب القطاع، حيث تقع مدينة رفح.
200 متر تفصل الطرفين
وأفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية أن إسرائيل أبدت استعدادها للانسحاب مسافة تتراوح بين 1000 و1200 متر من مسار محور فيلادلفيا، في حين تصر حماس على أن يكون العمق 800 متر فقط، ما يعني وجود فارق لا يتعدى 200 متر، لكنه يُعبر عن تباين في الرؤية الأمنية والميدانية بشأن السيطرة على رفح.
وأكدت القناة 12 الإسرائيلية حَسَبَ “العين الإخبارية”، أن هذه المسافة “على الرغْم من ضيقها نسبيًا، تمثل نزاعًا معقدًا”، لكنها أشارت في الوقت ذاته إلى أن “المصادر المطلعة على المفاوضات تعتبره قابلاً للحل”.
رد مرتقب من حماس
وتنتظر الولايات المتحدة ومصر وقطر، إلى جانب إسرائيل، الرد الرسمي من حركة حماس على آخر مقترح تم تقديمه بشأن صفقة تبادل أسرى ووقف إطلاق النار، الذي كان من المتوقع تسلمه مساء الثلاثاء.
ورغم تأخر الرد، فإن مصادر دبلوماسية أفادت بأن الوسطاء تلقوا بالفعل موقفًا مبدئيًا من حماس عبر ممثليها في العاصمة القطرية الدوحة، ويجري العمل على تحسين صياغته وتدقيقه قبل إبلاغ الوفد الإسرائيلي رسميًا، في مسعى لتفادي أي جمود جديد في العملية.
وقال مصدر سياسي إسرائيلي لموقع “واللا” العبري: “من الممكن أن يكون الرد على شاكلة ‘نعم ولكن’، وهو ما يعني قبولًا مشروطًا”، مضيفًا أن الوسطاء “يحاولون بلورة صيغة يمكن البناء عليها لإحداث تقدم فعلي في المفاوضات”.
الأسرى نقطة خلاف إضافية
وبالإضافة إلى ملف الانسحاب، لا تزال مسألة عدد الأسرى الفلسطينيين الذين سيتم إطلاق سراحهم ضمن الصفقة مثار خلاف آخر.
واقترحت إسرائيل إطلاق سراح 125 أسيرًا محكومًا بالسجن مدى الحياة، بالإضافة إلى أكثر من 1100 معتقل تم اعتقالهم بعد 7 أكتوبر 2023. غير أن حماس تطالب بإطلاق سراح عدد أكبر، وقدّر تقرير “يديعوت أحرونوت” الفجوة بين الجانبين بما يتراوح بين 100 و150 معتقلًا.
وتسعى حماس لضمان إدراج أسماء أسرى محكومين بمدد طويلة، وبعض القادة الرمزيين في السجون الإسرائيلية، وهو ما تعتبره تل أبيب نقطة حساسة سياسيًا وأمنيًا.
تحركات دبلوماسية
وفي إطار الجهود الأمريكية لتسهيل التوصل إلى اتفاق، من المنتظر أن يعقد اجتماع ثلاثي مهم يوم غدٍ الخميس في العاصمة الإيطالية روما، يضم: ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط، رون ديرمر، وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، مسؤول رفيع من الحكومة القطرية.
وأوضحت القناة 12 الإسرائيلية أن ويتكوف لم يكن ينوي الانخراط المباشر في المفاوضات إلا في حال اقتراب الاتفاق من الإبرام، ما يجعل مشاركته في اجتماع روما إشارة إلى تقدم حقيقي في المسار التفاوضي.
وفي السياق ذاته، أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء الثلاثاء تقييمًا أمنيًا وسياسيًا مع فريق التفاوض الإسرائيلي المتواجد في الدوحة.
تفاؤل حذر
ورغم التحركات المكثفة، إلا أن مصادر إسرائيلية أعربت عن تفاؤل حذر، مؤكدة أن الأجواء الإيجابية السائدة تعود بشكل أساسي إلى مزاج الوسطاء الدوليين، وليس إلى مؤشرات ملموسة على الأرض، بانتظار الرد الرسمي من حماس.
وأكدت المصادر أن نجاح الوساطة في هذه المرحلة الحساسة يتطلب مرونة من الطرفين، ودعمًا دوليًا مباشرًا لتجاوز ما تبقى من خلافات تقنية وسياسية.

