تُعد ليلة النصف من شعبان موسمًا استثنائيًا للنفحات الربانية، تضافرت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على علو قدرها، وتواتر عمل السلف في مكة والشام على تعظيمها، وقد اتفقت المذاهب الفقهية المتبوعة على استحباب إحيائها بالقيام والدعاء وصيام نهارها، عادّين إياها ليلةً للبراءة والمغفرة وتدبير الأقدار؛ ممّا يوجب اغتنام ساعاتها تأسّيًا بالهدي النبوي وميراث السلف.
فضل ليلة الصنف من شعبان
ومن جانبها أوضحت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية أن الرحمات الإلهية تتجلي في ليلة النصف من شعبان؛ إذ ترفع فيها الأعمال وتُغفر الذنوب، وقد عظَّمها السلف الصالح وأجمع الفقهاء على استحباب إحيائها بالطاعات وصالح الدعوات.
منزلة شهر شعبان في الهدي النبوي
من بديع حكمة الله تعالى في خلقه للزمان أن فاضل بين الأوقات، واصطفى منها مواسم للخيرات تزداد فيها الأجور وتسمو فيها الأرواح، ومن هذه المواسم الكريمة التي اختصها المولى سبحانه بعناية فائقة: شهر شعبان المعظم؛ فقد حباه الله بمنزلة سامية، وجعله جسرًا مباركًا بين رجب ورمضان، وقد كان من هدي النبي ﷺ الاحتفاء بأيام هذا الشهر عبر الإكثار من الصيام؛ تعظيمًا لشأنه واستعدادًا لعرض الأعمال على الله؛ فقد ورد في الحديث الصحيح عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [أخرجه أحمد: ٢١٧٥٣، والنسائي: ٢٣٥٧ واللفظ له].
وفي قلب هذا الشهر الكريم، تجلى الحق سبحانه وتعالى بنفحة ربانية خاصة، فاختار ليلة النصف من شعبان ونهارها، مفضّلًا إياهما على ما سواهما في هذا الشهر، وقد جاءت التوجيهات الشرعية مرغّبة في اغتنام هذه الفرصة السانحة عبر إحياء ليلها بالقيام والذكر، وصيام نهارها تذللًا وشكرًا؛ طمعًا في التعرض لنفحات الرحمة الإلهية وما يتنزل فيها من البركات والخيرات؛ وهذا التفضيل لم يأتِ من فراغ، بل تضافرت عليه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وعضدته أقوال الصحابة والتابعين، وسار عليه عمل الأمة الإسلامية جيلًا بعد جيل.
أسماء ليلة النصف من شعبان
لهذه الليلة الكريمة أسماء، وكثرة الأسماء فيها دلالة على شرف المسمى، ومن هذه الأسماء: “ليلة البراءة، ليلة الدعاء، ليلة الصك، ليلة الرحمة والبركة والخير والعفو والغفران لأهل الأرض، الليلة المباركة، ليلة الحكم والقضاء، وليلة السخط والرضا، ليلة القبول والرد والوصول والصد، ليلة السعادة والشقاء والكرامة والنقاء”.
قال الإمام القشيري رحمه الله:”﴿فِی لَیۡلَةࣲ مُّبَٰرَكَةٍۚ﴾: قيل هي ليلة القدر، وقيل هي النصف من شعبان وهي ليلة الصّك [لطائف الإشارات (٣/ ٣٧٩) ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب].
وقال الإمام عبد القادر الجيلاني -رحمه الله-: “ومنها سمي ليلة البراءة مباركة لما فيها من نزول الرحمة والبركة والخير والعفو والغفران لأهل الأرض”.
وقال رحمه الله أيضا: “وقد سميت ليلة البراءة لأن فيها براءتين، براءة للأشقياء من الرحمن، وبراءة للأولياء من الخذلان…..وقيل: إن للملائكة ليلتي عيد في السماء، كما أن للمسلمين يومي عيد في الأرض، فعيد الملائكة ليلة البراءة وليلة القدر، وعيد المؤمنين يوم الفطر ويوم الأضحى، وعيد الملائكة بالليل لأنهم لا ينامون، وعيد المؤمنين بالنهار لأنهم ينامون.
وقيل: إن الحكمة في أن الله تعالى أظهر ليلة البراءة وأخفى ليلة القدر، لأن ليلة القدر ليلة الرحمة والغفران والعتق من النيران، أخفاها الله عز وجل لئلا يتكلوا عليها، وأظهر ليلة البراءة لأنها ليلة الحكم والقضاء، وليلة السخط والرضا، ليلة القبول والرد والوصول والصد، ليلة السعادة والشقاء والكرامة والنقاء”.
أدلة القرآن الكريم على فضل ليلة النصف من شعبان
أما في كتاب الله العزيز، فقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن الليلة المباركة التي يُقدر فيها أمر السنة هي ليلة النصف من شعبان؛ حيث تكتب فيها الآجال وتُقسم الأرزاق ويكتب فيها الحجاجّ؛ فقد جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿فِیهَا یُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِیمٍ﴾ [الدخان: ٤]: أنها ليلة النصف من شعبان؛ يبرم فيها أمر السَّنَة، وتنسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاجّ؛ فلا يُزَاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد.
فقد ورد عَنْ عِكْرِمَةَ رحمه الله، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِیهَا یُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِیمٍ﴾ [الدخان: ٤]، قَالَ: “لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، يُدَبَّرُ أَمْرُ السَّنَةِ، وَتُنْسَخُ الْأَمْوَاتُ مِنَ الْأَحْيَاءِ، وَيُكْتَبُ الْحَاجُّ، فَلَا يَنْقُصُ مِنْهُمْ وَلَا يَزِيدُ فِيهِمْ أَحَدٌ” [أخرجه ابن أبي الدنيا في فضائل رمضان (ص٣١): برقم (٧)]
قال الإمام القشيري رحمه الله:”﴿فِی لَیۡلَةࣲ مُّبَٰرَكَةٍۚ﴾: قيل هي ليلة القدر، وقيل هي النصف من شعبان وهي ليلة الصّك [لطائف الإشارات (٣/ ٣٧٩) ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب].
وقد نقل مثل ذلك الإمام الطبري في “جامع البيان” (٢٢/ ١٠، ط. مؤسسة الرسالة)، وابن أبي حاتم في “تفسير القرآن العظيم” (١٠/ ٣٢٨٧، ط. مكتبة نزار) وغيرهم من المفسرين.
موعد ليلة النصف من شعبان 2026
يبدأ موعد ليلة النصف من شعبان 2026 مع غروب شمس يوم 14 شعبان وتستمر حتى طلوع فجر يوم 15 شعبان للعام الهجري 1447، وهو ما يوافق بالتاريخ الميلادي، من غروب يوم الاثنين الموافق 2 فبراير 2026، حتى طلوع فجر يوم الثلاثاء الموافق 3 فبراير 2026، وهي الليلة التي يحرص المسلمون على اغتنامها بالقيام والدعاء والاستغفار.

