في واقعة أثارت الكثير من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية الإيطالية، قرر السفير الأمريكي لدى إيطاليا، تيلمان فيرتيتا، الملياردير ورجل الأعمال المعروف، الإقامة على يخته الفاخر بدلًا من الانتقال إلى مقر إقامة السفراء الأمريكيين التقليدي في “فيلا تافيرنا” التاريخية وَسْط العاصمة روما، واصفًا الفيلا بأنها “غير صالحة للسكن”.
يخت بـ110 ملايين
ويقيم فيرتيتا، البالغ من العمر 67 عامًا، على متن يخته الشخصي “بوردووك” الذي يبلغ طوله 250 قدمًا، والراسي في ميناء تشيفيتافيكيا على بعد نحو 100 كيلومتر من العاصمة الإيطالية، وهو يخت تبلغ قيمته نحو 110 ملايين جنيه إسترليني، ويضم أحدث وسائل الترفيه والرفاهية التي يحلم بها أثرياء العالم.
في المقابل، تعد “فيلا تافيرنا” مقرًا دبلوماسيًا أمريكيًا عريقًا منذ عام 1933، وسكنها على مدار تسعة عقود 23 سفيرًا أمريكيًا متعاقبًا.
وتُعتبر الفيلا، التي تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي، تحفة معمارية نادرة، وتضم آثارًا رومانية قديمة، منها تابوت من القرن الثالث الميلادي، وأعمدة من الجرانيت المصري، إضافة إلى حدائق واسعة، ملاعب تنس، ومسبح فاخر.
إلا أن السفير الأمريكي القادم من عالم الكازينوهات والمطاعم وبرامج تلفزيون الواقع، فضّل البحر على الفخامة التاريخية، ما أثار استغرابًا واسعًا في الأوساط الإيطالية والدبلوماسية، وَسْط تساؤلات عن دوافعه الحقيقية.
شخصية صاخبة تتحدى الأعراف
ولد فيرتيتا في ولاية تكساس لعائلة من أصول صقلية، وحقق شهرة كبيرة بعد شرائه فريق هيوستن روكتس لكرة السلة عام 2017، وظهوره في برنامج الواقع الشهير “Billion Dollar Buyer” على شبكة CNBC، حيث عُرف بشخصيته الجريئة وثقته المفرطة.
ومنذ توليه منصب السفير الأمريكي لدى إيطاليا في عام 2024، طغت شخصيته غير التقليدية على مهمته الدبلوماسية، حيث يستخدم مروحيته الخاصة للتنقل من اليخت إلى العاصمة، ويهبط غالبًا في مطار صغير شمال روما، ما تسبب في ارتباك أمني متكرر.
وكان فيرتيتا قد طلب في وقت سابق الهبوط بمروحيته مباشرة في حدائق فيلا تافيرنا، إلا أن القوانين الإيطالية الصارمة منعت ذلك، كون الامتياز ممنوحًا فقط للبابا ورئيس الجمهورية الإيطالية.
وتشير تقارير محلية إلى أنه اقترح قطع أشجار معمّرة داخل الفيلا لإنشاء مهبط خاص للمروحية، وهو ما أثار استياء مسؤولين إيطاليين، حتى من داخل حكومة جورجيا ميلوني اليمينية المقرّبة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
المريخي في روما
أحد المسؤولين الإيطاليين شبّه السفير الأمريكي بمازح بـ”المريخي في قصة فلاتيانو”، في إشارة إلى كائن فضائي ودود يربك سكان روما بسلوكياته غير المتوقعة، في تعبير ساخر عن سلوك فيرتيتا الذي بدا منفصلًا عن الأعراف الدبلوماسية المعتادة.
وقد أدت تحركات السفير غير المعلنة أحيانًا إلى أزمات أمنية حقيقية، كما حدث خلال رحلة بحرية مفاجئة إلى مقبرة عسكرية أمريكية جنوب روما، تزامنًا مع حالة توتر دولية، دون تنسيق مسبق مع السلطات الإيطالية.
ويعيش السفير الأمريكي عمليًا في ميناء مدني تحوّل إلى منطقة شبه عسكرية بفعل الإجراءات الأمنية المشددة، الأمر الذي أثار انتقادات محلية متزايدة.
من دعم الحزبين إلى الولاء لترامب
رغم أن تيلمان فيرتيتا بدأ حياته السياسية كمتبرع للحزبين الديمقراطي والجمهوري، فإنه أصبح لاحقًا أحد كبار داعمي دونالد ترامب، حيث اشترى في عام 2011 كازينو “ترامب مارينا” المتعثر، وكان من أكثر المستثمرين ولاءً له في أتلانتيك سيتي.
وفي عام 2023، تبرع فيرتيتا بأكثر من 1.5 مليون جنيه إسترليني لصالح حملة ترامب وعدد من المرشحين الجمهوريين، ما جعل تعيينه سفيرًا لدى إيطاليا في عام 2024 يبدو وكأنه تكريم سياسي لعلاقته الوثيقة بالرئيس الأمريكي.
وكان فيرتيتا قد أبدى حماسه لهذا المنصب باعتباره فرصة “لتكريم جذوره الصقلية”، إلا أن سلوكه على أرض الواقع أثار تساؤلات عن مدى جديته في أداء المهام الدبلوماسية.
دبلوماسية على الطريقة الأمريكية
ومع تصاعد الجدل حول أسلوب حياة فيرتيتا في العاصمة الإيطالية، بدأت تقارير إعلامية أمريكية وإيطالية تشير إلى تململ داخل السفارة نفسها، حيث يقال إن السفير بدأ يشعر بالضيق من البيروقراطية الأمريكية والإيطالية على حد سواء، ما دفعه أكثر نحو العزلة ورفض الإقامة في المقر الرسمي.
وتبقى التساؤلات قائمة حول مستقبل تمثيل الولايات المتحدة الدبلوماسي في روما في ظل هذا السلوك غير التقليدي، وهل ستكون “دبلوماسية اليخوت” هي العنوان الجديد لعلاقة واشنطن بحلفائها الأوروبيين؟

