في قلب الظلام، وبين الرمال الحارقة لمناطق الصومال المتمردة، تتحرك امرأة لا كغيرها.. اسمها يثير الرعب، وتحركاتها تُعد لغزًا استخباراتيًا معقدًا. إنها سامانثا ليوثويت، الملقبة بـ”الأرملة البيضاء”، إحدى أكثر النساء المطلوبات دوليًا، وعقل منظم لعمليات إرهابية هزت شرق أفريقيا والعالم.
شبح في الظلال
ظهرت من جديد، ليس فقط كشبح في الظلال، بل كقيادية فعّالة في تنظيم حركة الشباب الصومالية، وأم لستة أطفال، أحدهم من زوجها الإرهابي الحالي، والآخرون من إرهابيين سابقين. إنها قصة امرأة غيّرت وجه الإرهاب النسوي، وكتبت فصلًا جديدًا في ملفات التطرف العالمي.
من بانبريدج إلى الجهاد
ولدت سامانثا ليوثويت في عام 1983 في مدينة بانبريدج بأيرلندا الشمالية، لأب جندي سابق في الجيش البريطاني وأم كاثوليكية. انتقلت لاحقًا مع أسرتها إلى مدينة آيلزبري بإنجلترا، وهناك نشأت في بيئة مضطربة بعد طلاق والديها، ما جعلها تبحث عن هوية جديدة.
في سن السابعة عشرة، اعتنقت الإسلام، وهو التحول الذي اعتبرته لاحقًا “خلاصًا نفسيًا”. التحقت بجامعة لندن لدراسة السياسة والدين لكنها لم تُكمل دراستها، إذ كانت في طريقها نحو عالم آخر.
الزوج الأول
في عام 2002، تزوجت سامانثا من جيرمين ليندسي، الشاب البريطاني المسلم، الذي سيغير مسار حياتها إلى الأبد. وبعد ثلاث سنوات فقط، فجر نفسه في واحدة من هجمات لندن الدامية يوم 7 يوليو 2005، تحديدًا في محطة مترو، ما أسفر عن مقتل 26 شخصًا، من إجمالي 52 ضحية سقطوا في الهجمات المنسقة.
ظهر وجه سامانثا أمام الإعلام البريطاني في تلك الأيام كـ”زوجة مفجوعة”، كانت حاملاً في شهرها الثامن، وبكت بحرقة على شاشة التلفزيون، مؤكدة أنها لم تكن تعلم بنوايا زوجها. لكن تلك الصورة لم تدم طويلًا.
التحول الخفي
خلال شهور قليلة، اختفت سامانثا عن الأنظار، وغادرت بريطانيا إلى كينيا، ومنها إلى جنوب أفريقيا، وهناك بدأت تظهر ملامح جديدة لشخصيتها. استخدمت هويات مزورة، وعاشت تحت اسم “ناتالي فاي ويب”، ثم اسم “شهيدة بنت أندروز”، وبدأت في تجنيد النساء وتمويل الخلايا الإرهابية.
وخلال تلك الفترة، انخرطت في دراسات موسعة لتصنيع المتفجرات، والمواد الكيميائية، وكتبت قصائد تمجّد أسامة بن لادن، أحدها عُثر عليها في جهازها المحمول بعد مداهمة الشرطة الكينية لأحد منازلها عام 2011.
ورغم العثور على مواد لصناعة القنابل، أُطلق سراحها بعد أن دفعت رشوة تقدر بـ30 ألف جنيه استرليني، لتختفي مجددًا وَسْط ظلال أفريقيا الشرقية.
الإرث الدموي
سامانثا ليوثويت متهمة بالمشاركة والتخطيط لعدد من أكبر الهجمات الإرهابية في شرق أفريقيا، أبرزها: هجوم مركز ويست غيت التجاري في نيروبي (2013): أسفر عن مقتل 71 شخصًا، هجوم جامعة غاريسا (2015): قُتل فيه 148 طالبًا، معظمهم مسيحيون، هجوم فندق دوسيت في نيروبي (2019): راح ضحيته 21 شخصًا، هجوم بقنبلة يدوية في مومباسا (2012): أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص.
كل هذه العمليات ارتبطت إما بتخطيط مباشر من ليوثويت، أو بدور لوجستي وتمويلي وتنظيمي ضمن خلايا نشطة كانت تقودها.
الوجه الآخر للأرملة
رغم سجلها الدموي، كشفت مقتنيات سامانثا الشخصية عن وجه مختلف تمامًا. فعند تفتيش أجهزتها المحمولة، عثرت الشرطة الكينية على سجل تصفح يشمل مواقع الأزياء والموضة، وصفحات المغنية الأمريكية الشهيرة بيونسيه، كما وُجدت أقنعة وجه تجميلية، ومستحضرات مكياج فاخرة، ما كشف عن شخصية مزدوجة تعيش بين الهوس بالمظهر والدموية المطلقة.
في حضن حركة الشباب
وفقًا لما نشرته صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، فإن ليوثويت، البالغة من العمر 41 عامًا، أصبحت زوجة ثالثة لأحد القادة البارزين في حركة الشباب الصومالية، ويدعى عثمان عبد الله دهغاد. وقد أنجبت منه طفلين، ليرتفع عدد أطفالها إلى ستة أبناء من زيجات متعددة.
قائدة وجندية
لا تقف عند حدود الزوجة، بل أصبحت صاحبة دور قيادي فعّال داخل التنظيم، حيث تشرف على تدريب الانتحاريات، وتجهيز الأحزمة الناسفة، وتجنيد النساء من داخل وخارج أفريقيا، خاصة الناطقات باللغتين العربية والصومالية، وهما لغتان تتقنهما بطلاقة.
تحركات شبحية
آخر ظهور مؤكد للأرملة البيضاء كان في 8 يوليو/تموز بمدينة جلب جنوب الصومال، التي تُعرف بأنها العاصمة غير الرسمية لما يسمى بـ”إمارة الصومال الإسلامية”، تحت سيطرة حركة الشباب.
وتتنقل سامانثا ليوثويت ليلًا فقط، وَسْط إجراءات أمنية مشددة، برفقة وحدة حماية خاصة تُعرف باسم “أمنيات”، مكونة من رجال ونساء مسلحين، وتُقال إنها تحمل دائمًا مسدسًا أو بندقية لحمايتها.
وفي عام 2023، حاولت الهروب من الصومال إلى كينيا أو اليمن، لكن العملية فشلت بسبب فشل التنظيم في تأمين ممر آمن لها، ما أجبرها على البقاء في أماكن نفوذها داخل الصومال.
امرأة بثلاث وجوه
بين أقنعة التجميل، وأحزمة الموت، وقصائد بن لادن، تقف سامانثا ليوثويت كأيقونة معاصرة للإرهاب النسوي، تمزج بين الحيلة، والمكر، والدماء. امرأة استطاعت أن تخدع العالم، وتتحول من زوجة حزينة إلى قاتلة محترفة تُرعب الحكومات.
لا نهاية في الأفق
ولا تزال سامانثا حرة طليقة، رغم ملاحقتها من قبل وكالات أمنية دولية، أبرزها الإنتربول والمخابرات البريطانية والأمريكية، في ظل تساؤل دائم:متى ستُغلق صفحة الأرملة البيضاء؟ أم أنها تكتب الآن فصلًا جديدًا في الظلام؟

