في ذكرى مرور ثلاث سنوات على بدء مهمته العلمية الطموحة، احتفل تلسكوب “جيمس ويب” الفضائي، التابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا، بنشر صورة مبهرة وغير مسبوقة لسديم “مخالب القط” المعروف علميًا باسم NGC 6334، أحد أشهر وأضخم حضانات النجوم في مجرتنا درب التبانة.
سديم مخالب القط
ويقع سديم “مخالب القط” على بُعد نحو 4 آلاف سنة ضوئية من كوكب الأرض، ضمن كوكبة العقرب، ويُعد أحد أغزر وأكبر المناطق احتواءً على النجوم حديثة التكوُّن. ويمتد هذا السديم على مساحة تُقدّر بنحو 90 سنة ضوئية، ويظهر في السماء بحجم يفوق حجم القمر الكامل، لكنه يظل غير مرئي للعين المجرّدة بسبب سُحب الغبار الكوني الكثيفة التي تحيط به.
صورة احتفالية
وفي صباح الخميس الموافق 10 يوليو 2025، كشفت وكالة “ناسا” عن الصورة الجديدة التي التقطها تلسكوب “جيمس ويب” باستخدام أداة NIRCam (الكاميرا القريبة من الأشعة تحت الحمراء)، التي نجحت في اختراق سُحب الغبار الكوني الكثيف، لتُظهر تفاصيل لم تكن مرئية من قبل في هذه الحاضنة النجمية العملاقة.
وتُبرز الصورة بوضوح ملامح مميزة تُشبه بصمات أصابع القطط أو ما يُعرف فلكيًا باسم “toe beans”، وهي بنى دائرية متناثرة تُشبه وسائد الأقدام اللينة في القطط، وهو السبب وراء إطلاق تسمية “مخالب القط” على هذا السديم.
مشاهد كونية حافلة
وأفادت وكالة “ناسا”، في بيانٍ صحفي، أن المشهد الفلكي المذهل الذي التقطه “جيمس ويب” يُظهر كيفية تفاعل النجوم الضخمة مع بيئتها المحيطة، حيث تنحت تلك النجوم تجاويف شاسعة داخل سُحب الغاز والغبار بفعل ما تبثه من موجات صادمة عنيفة وانفجارات نجمية.
ويبرز في زاوية الصورة شكل مميز يُعرف باسم “دار الأوبرا”، مكوَّن من طبقات برتقالية سميكة من الغبار الكوني، تحيط بأحد النجوم الساطعة، وهو مشهد اعتبره علماء الفلك علامة بصرية مذهلة تُجسد تداخل العنف والجمال في آن واحد داخل هذا السديم.
كما تتضمّن الصورة مناطق لنجوم حديثة التكوُّن، وتدفقات غازية حمراء اللون تُعد مؤشرًا على نشاط نَجمي كثيف ومُتصاعد، حيث تشهد تلك المناطق مراحل الولادة الأولى لنجوم شابة، تطلق مقذوفات غازية عنيفة إلى الفضاء.
ويب يفوق التوقعات
من جانبه، صرّح شون دوماجال-جولدمان، المدير المؤقت لقسم الفيزياء الفلكية في مقر “ناسا” بالعاصمة الأمريكية واشنطن، قائلاً: “على الرغْم من مرور ثلاث سنوات فقط على بدء المهمة العلمية لتلسكوب جيمس ويب، فإنه لا يزال يفي بكل وعوده العلمية، بل ويتجاوز التوقعات عبر سلسلة اكتشافات متتالية تكشف أسرار الكون العميق”.
وأضاف دوماجال-جولدمان: “إن الأسئلة التي يطرحها ويب حاليًا لا تقل إثارة عن الإجابات التي يُقدمها، ما يُبشّر بمستقبل علمي ثري في ميادين الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات”.
إنجازات علمية فارقة
منذ انطلاقه إلى الفضاء في يوليو 2022، أحدث تلسكوب “جيمس ويب” نقلة نوعية في الأبحاث الفلكية، بعدما غيّر بشكل جوهري فهم العلماء للكون المبكر، من خلال: رصد أقدم المجرات التي نشأت في المراحل الأولى عقب الانفجار العظيم.
تحليل أغلفة الكواكب الخارجية (Exoplanets)، في محاولة للكشف عن إمكانية وجود حياة في أنظمة شمسية أخرى؛ وكذا متابعة تكوُّن النجوم والكواكب داخل السُدم النجمية العملاقة.
كما قدّم التلسكوب خلال مهمته سلسلة صور غير مسبوقة تكشف عن تفاصيل دقيقة لكواكب نائية وسُدم بعيدة، ما أسهم في رسم تصور أكثر دَقَّة عن بنية الكون ومسارات تطوُّره.
رؤية لعقود مقبلة
تؤكد “ناسا” أن هذه الصورة الجديدة لسديم “مخالب القط” تأتي ضمن برنامج موسع من الأرصاد العلمية، التي تهدف إلى كشف المزيد من أسرار المجرات القديمة، ومراحل تكوين الكواكب والنجوم، خلال العقود القادمة.
وتُعد الصورة التي أُطلقت في الذكرى الثالثة لانطلاق المهمة بمثابة احتفاء علمي بإنجازات تلسكوب “جيمس ويب“، الذي يُعد الأداة الأكثر تطورًا على الإطلاق في تاريخ الأبحاث الفلكية.

