في مثل هذا اليوم من عام 2016، فقدت مصر والعالم أحد أبرز أعلام العلم الحديث، العالم المصري الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، الدكتور أحمد حسن زويل، صاحب الفضل في اكتشاف مجال “الفيمتو ثانية”، الذي أحدث ثورة في فهم التفاعلات الكيميائية.
أحمد زويل
وبين ولادته في دلتا النيل عام 1946، ورحيله عن عمر ناهز 70 عامًا، خطّ زويل مسيرة علمية وإنسانية قلّما تتكرر.
من دلتا النيل للعالمية
وُلد أحمد زويل في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة في 26 فبراير 1946، ونشأ في مدينة دسوق التابعة لمحافظة كفر الشيخ، على ضفاف فرع رشيد من نهر النيل. في بيئة مصرية بسيطة لكن مشجعة على العلم، نشأ زويل بين والد يعمل في الحكومة ويمتلك عملًا حرًا في تركيب الدراجات، وأم كرّست حياتها لأبنائها، وكان هو الابن الوحيد لثلاث شقيقات.
في مذكراته التي نُشرت على موقع جائزة نوبل، وصف زويل طفولته قائلًا: “كنت محاطًا بعالم غني بالتاريخ والثقافة… رشيد حيث كُشف حجرها الشهير، والإسكندرية مهد العلم القديم، وتلك البيئة شكلت بذور فضولي العلمي”.
التعليم والبعثة إلى أمريكا
التحق زويل بكلية العلوم جامعة الإسكندرية وتخرج منها عام 1967 بتفوق في قسم الكيمياء، ثم عُيّن معيدًا بالجامعة؛ وبعد سنوات قليلة حصل على منحة لاستكمال دراسته العليا في الولايات المتحدة، وهناك حصل على الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا.
وعلى الرغم من صعوبة البدايات في الغربة، أصر زويل على إثبات ذاته في بيئة علمية تنافسية، وعمل بعد ذلك في جامعة كاليفورنيا – بيركلي، ثم التحق بـمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك)، أحد أهم المؤسسات البحثية في العالم، حيث بدأ مسيرته الحقيقية في عالم البحث العلمي.
الفيمتو ثانية
في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، قدّم زويل للعالم اكتشافًا علميًا مذهلًا: تقنية تصوير التفاعلات الكيميائية باستخدام الفيمتو ثانية، وهي وحدة زمنية تساوي جزءًا من مليون مليار من الثانية (10^-15 ثانية).
هذه التقنية سمحت للعلماء ولأول مرة بمراقبة الذرات والجزيئات وهي تتحرك وتتفاعل في الزمن الحقيقي، مما فتح آفاقًا واسعة في مجالات الكيمياء والبيولوجيا والفيزياء وحتى الطب.
لقد أصبحت “مطيافية الفيمتو ثانية” أداة مركزية لفهم آلية التفاعلات التي كانت يومًا ما غامضة وسريعة لدرجة يصعب تصورها.
في عام 1999، تُوج زويل بوسام العلم الأعلى في العالم، جائزة نوبل في الكيمياء، تكريمًا لأبحاثه الرائدة في هذا المجال.
أحمد زويل بعيون العالم
أصبح زويل رمزًا عالميًا للعلم والتفوق؛ اختير مستشارًا علميًا للرئيس الأمريكي، وعضوًا في العديد من الأكاديميات الدولية المرموقة، كما تلقى عشرات الجوائز والتكريمات من جامعات ومؤسسات علمية حول العالم.
لكن رغم هذا النجاح العالمي، لم ينسَ وطنه الأم؛ كان دائم الدعوة إلى ضرورة بناء قاعدة علمية قوية في مصر، مؤمنًا بأن النهضة الحقيقية تبدأ من العقل والمعمل، لا من الشعارات.
مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا
بعد حصوله على جائزة نوبل، أطلق الدكتور زويل مشروعًا قوميًا علميًا في مصر تحت اسم “مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا”، حلمٌ راوده لسنوات، أراد من خلاله أن ينقل روح البحث والابتكار إلى الشباب المصري.
رغم ما واجهه المشروع من تحديات بيروقراطية وتمويلية، أصر زويل على استمراره، مؤمنًا بأن العلم هو السلاح الوحيد القادر على إنقاذ الشعوب من الجهل والتبعية.
قال ذات مرة: “التقدم لا يُشترى، بل يُبنى. ومفتاح هذا البناء هو التعليم والبحث العلمي”.
لمحات إنسانية
كان زويل محبًا للقراءة والموسيقى، وقد تأثّر كثيرًا بأغاني أم كلثوم، التي اعتاد أن يصحب صوتها أثناء سهراته الدراسية.
وصفها بأنها كانت تُضفي على ليالي الدراسة الطويلة طاقة خاصة، ووجد في موسيقاها نفس العمق والاتساع الذي كان يبحث عنه في المعادلات والنظريات.
زويل والعم رزق
كما تحدث في مذكراته عن عمّه “رزق” الذي لعب دورًا كبيرًا في تشكيل ذائقته الثقافية، قائلاً: “علّمني كيف أستمتع بالموسيقى، وأقدّر النقد، وأخوض النقاشات العقلانية مع العامة والمثقفين”.
الرحيل وبقاء الأثر
في الثاني من أغسطس عام 2016، توفي الدكتور أحمد زويل في الولايات المتحدة، بعد صراع مع المرض، وشيّعته مصر في جَنازة رسمية وعسكرية مهيبة، حضرها كبار رجال الدولة والآلاف من المواطنين الذين جاؤوا لتوديع “عالمهم” و”فخرهم الوطني”.
رغم وفاته، لا يزال إرث أحمد زويل حاضرًا: في كتبه، في طلابه، في أبحاثه، وفي مشروعه العلمي الذي يحمل اسمه.
أسطورة مصرية خالدة
كان الدكتور أحمد زويل تجسيدًا حيًا لقصة نجاح إنسانية وعلمية لا تتكرر كثيرًا؛ فمن أزقة دسوق الهادئة إلى لجان نوبل في السويد، شقّ طريقه بإرادة وعقل نادر، وأثبت أن العقل المصري قادر على إبهار العالم حين تُمنح له الفرصة.
وها نحن اليوم، في الذكرى التاسعة لرحيله، نُعيد قراءة صفحات سيرته، لنستلهم من ضوءه ما يُنير عقول أجيال جديدة، تحلم كما حلم، وتنجح كما نجح.

