في تطور جديد يعكس استمرار الحملات الأمنية والقانونية لمواجهة الانفلات الرقمي والمحتوى غير الأخلاقي على شبكات التواصل الاجتماعي، ألقت الأجهزة الأمنية المصرية القبض على البلوجر الشهير المعروف باسم “مداهم“، وذلك في أحد أحياء القاهرة الكبرى، على خلفية بلاغات رسمية تتهمه بارتكاب مخالفات قانونية تتعلق بالمحتوى الرقمي وشبهات مالية.
مداهم
جاءت عملية القبض بناءً على بلاغ رسمي تقدم به المحامي أشرف فرحات، مؤسس حملة “تطهير المجتمع”، إلى النائب العام، يتهم فيه عدداً من صناع المحتوى الرقمي أو ما يُعرف بـ”البلوجرز”، بتقديم محتوى مسيء يخالف القيم المجتمعية، فضلًا عن التربح المالي الضخم بطرق تفتقر إلى الرقابة القانونية، وهو ما اعتبره انتهاكًا صريحًا لأحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رَقْم 175 لسنة 2018.
وأشار فرحات في بلاغه إلى أن “مداهم” ظهر في عدة فيديوهات ومقاطع مباشرة (لايف) على منصات مثل “تيك توك”، برفقة شخصيات مثيرة للجدل، من بينهم من وصفهم بـ”المعادين للدولة”، مضيفًا أن طبيعة المحتوى الذي يُقدمه يفتقر لأي قيمة حقيقية، ويُروج للابتذال والسلوكيات السلبية، ويُشكل خطرًا مباشرًا على الوعي العام، ولا سيما فئة الشباب.
شبهات غسيل أموال
لم يقف البلاغ عند حدود المحتوى فقط، بل تضمن مطالب بفتح تحقيق شامل في مصادر الدخل الذي يحصل عليه البلوجر مداهم وآخرون مثله، وَسْط حديث متزايد عن أرباح خيالية تُجنى من خلال البث المباشر والهدايا الرقمية على تطبيقات مثل “تيك توك”، تصل في بعض الحالات – وفقًا لتصريحات سابقة لبعض البلوجرز – إلى مليون جنيه يوميًا.
وأشار البلاغ إلى أن هذه الممارسات قد تُخفي وراءها عمليات غسيل أموال أو تهرب ضريبي، نظرًا لغياب الرقابة الواضحة على المعاملات المالية المرتبطة بهذه المنصات، وطالب بإجراء فحص مالي وتقني شامل لحسابات البلوجر وتحديد ما إذا كانت هناك مخالفات ضريبية أو مالية تستوجب المساءلة.
الجوانب القانونية
استند المحامي أشرف فرحات في بلاغه إلى المادتين 25 و26 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، واللتين تنصان على تجريم نشر أو بث أو إعادة نشر محتوى إلكتروني من شأنه المساس بالقيم الأسرية أو الآداب العامة أو التحريض على الفجور والانحراف الأخلاقي، وتصل العقوبات في هذه الحالات إلى الحبس والغرامة.
كما أشار إلى أن التربح من منصات التواصل الاجتماعي دون وجود إطار قانوني أو ضريبي منظم، يُعد مخالفة صريحة للقوانين المنظمة للأنشطة التجارية والمالية، ويستدعي تحقيقًا من قبل الجهات الرقابية المختصة، وعلى رأسها مصلحة الضرائب ووحدة مكافحة غسيل الأموال.
إجراءات وتحقيقات مستمرة
أكدت مصادر مطلعة أن الأجهزة الأمنية قامت بالقبض على “مداهم” بعد عمليات تتبع ورصد إلكتروني، بالتنسيق مع الجهات المختصة في الأمن الرقمي، وتم اقتياده إلى أحد أقسام الشرطة، حيث بدأت النيابة العامة تحقيقاتها الأولية في الاتهامات الموجهة إليه.
كما باشرت الجهات الفنية المختصة تحليل الحسابات الإلكترونية التابعة له، ومراجعة جميع المحتويات المرئية والمكتوبة التي نشرها خلال الفترة الماضية، بهدف التحقق من طبيعتها، وتقييم مدى مخالفتها للقانون.
وتعمل النيابة أيضًا على تتبع حساباته البنكية ومصادر دخله، ومقارنتها مع ما يتم الإعلان عنه من أرباح عبر المنصات الاجتماعية، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القضائية المناسبة في ضوء نتائج التحريات والفحوصات.
ردود الأفعال
أثارت واقعة القبض على “مداهم” تفاعلًا واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسم المستخدمون ما بين مؤيد يرى أن الوقت قد حان لوقف سيل المحتوى الهابط، ومطالب بتشديد الرقابة على ما يُنشر عبر الإنترنت، وآخرين أبدوا قلقهم من إمكانية تضييق مساحات التعبير بحجة الأخلاق، داعين إلى التفرقة بين حرية التعبير والإساءة الفعلية.
القضاء المصري
تأتي هذه الواقعة ضمن سلسلة من التحركات الجادة التي تبذلها الدولة مؤخرًا لمواجهة المحتوى الإلكتروني الذي يهدد البنية الثقافية والأخلاقية للمجتمع، في وقت تزداد فيه أهمية تقنين وتنظيم أنشطة التأثير الرقمي في مصر.
وتبقى كلمة الفصل في هذه القضية بيد القضاء المصري، الذي سيتولى تقييم الأدلة والقرائن، واتخاذ القرار النهائي بما يتوافق مع أحكام القانون ومقتضيات الصالح العام.

