في بلد أنهكته سنوات من الحرب والانقسام، لا تزل ليبيا تواجه خطرًا صامتًا يتربص بالمدنيين في الطرقات والمنازل والمزارع والمصايف.. إنها الألغام ومخلفات الحروب التي تحوّلت إلى “إرث قاتل” يهدد حياة الآلاف يوميًا، على الرغْم من الجهود المتزايدة على المستويين المحلي والدولي لاجتثاث هذا الخطر من جذوره.
واقعة جديدة
في حادثة حديثة تُعيد تسليط الضوء على اتساع رقعة التهديد، تلقّت الغرفة الرئيسة بجهاز المباحث الجنائية في مدينة تاجوراء شرق العاصمة طرابلس، بلاغًا من مواطنين حول وجود جسم مشبوه داخل أحد المصائف الشعبية.
وعلى الفور، تحرك فريق مختص من وحدة تفكيك المتفجرات، وأجرى عملية مسح ميداني دقيقة للموقع، أسفرت عن اكتشاف لغم مضاد للأفراد من نوع “بي آر بي إم 35″، وهو أحد الألغام شديدة الخطورة التي غالبًا ما تُزرع بشكل عشوائي في مناطق النزاع.
وتم التعامل مع اللغم باحترافية عالية، حيث جرى تفكيكه ونقله إلى المخازن الخاصة بالأجهزة الأمنية تمهيدًا لإتلافه، وَسْط إشادة محلية بسرعة الاستجابة ودقة التدخل.
ألغام الحرب
رغم ما تحقّق من هدوء نسبي في بعض المناطق الليبية، إلا أن مخلفات النزاعات المسلحة لا تزال تُشكل خطرًا دائمًا على المدنيين، خصوصًا في المدن التي كانت ساحات للمعارك العنيفة.
وتُقدّر الأمم المتحدة عدد الإصابات المؤكدة بسبب الألغام والذخائر غير المنفجرة في ليبيا منذ عام 2020 بـ أكثر من 420 إصابة، فيما تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن الأعداد أكبر بكثير، نظرًا لضعف التوثيق في بعض المناطق النائية والمنكوبة.
كما كشفت تقارير أممية أن هناك أكثر من 438 مليون متر مربع من الأراضي الليبية لا تزل تصنَّف على أنها مناطق “خطرة” تتطلب نزع الألغام وتنظيفها من المخلفات الحربية، في مقابل حوالي 248 مليون متر مربع فقط تم تطهيرها منذ عام 2011 حتى الآن.
اجتماع دُوَليّ في طرابلس
وفي استجابة للمخاوف المتصاعدة، عُقد مؤخرًا أول اجتماع لمجموعة دعم مكافحة الألغام في ليبيا، وذلك في العاصمة طرابلس، بحضور ممثلين عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والحكومة الإيطالية، وعدد من الشركاء الدوليين المهتمين بالملف الإنساني الليبي.
وهدف الاجتماع إلى تعزيز التنسيق الدُّوَليّ، وسد الفجوات التمويلية، وتوفير الدعم الفني والتقني للفرق الليبية العاملة في إزالة الألغام.
وقالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، خلال كلمتها في الاجتماع، إن “مكافحة الألغام في ليبيا ليست مجرد مهمة إزالة مادية، بل هي عملية ترتبط بحماية المدنيين واستعادة الكرامة الإنسانية، وبناء الأمل في المستقبل”.
وأكدت تيتيه أن ليبيا “بحاجة إلى الاستقرار، وليس إلى المزيد من الخسائر والخوف”، مشددة على أن ملف الألغام يتقاطع مع مساعي إعادة الإعمار وعودة الحياة إلى المدن المنكوبة.
سلاح التوعية
لا تقتصر الاستجابة على حملات الإزالة الميدانية، بل تمتد أيضًا إلى جهود التوعية المجتمعية، التي باتت تُعد أحد أهم أسلحة المقاومة المجتمعية في مواجهة هذا التهديد المزمن.
فقد نُفذت، خلال الفترة الممتدة من عام 2023 حتى منتصف 2025، أكثر من 13,600 جَلسة توعية ميدانية وورش عمل استهدفت مختلف الشرائح العمرية، لا سيما النساء والفتيات والأطفال، وهم الفئات الأكثر عرضة للخطر في المناطق المتأثرة.
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن جهات التنسيق الدولية، فقد استفاد من تلك الحملات أكثر من 104 آلاف مواطن ليبي في مختلف المدن والقرى، مما أسهم في خفض عدد الحوادث المسجلة في بعض المناطق.
نحو مستقبل آمن
رغم التحديات اللوجستية والسياسية التي لا تزل تواجه جهود نزع الألغام في ليبيا، إلا أن تزايد التنسيق الدُّوَليّ وتوسيع نطاق الشراكات مع الحكومة الليبية والجهات المحلية يعكس توجهًا واضحًا نحو مأسسة الاستجابة وجعلها جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية إعادة بناء الدولة.
وبينما تستمر فرق تفكيك المتفجرات في عملها الشاق وَسْط التضاريس الصعبة والبيئة غير الآمنة، يبقى الأمل معقودًا على أن تأتي هذه الجهود ثمارها قريبًا، لتتحول الأراضي الملوثة بالموت إلى أراضٍ تنبض بالحياة والاستقرار من جديد.

