كتب- حمدي عاشور
بعد أكثرمن عامين على اندلاع الحرب المدمرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، يعيش السودان ولا يزال واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والنزوح في العالم. فقد تسبب النزاع المستمر منذ إبريل 2023 في مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وتهجير أكثر من 15 مليون شخص من منازلهم، ليصبح السودان البلد الأكثر تصديرًا للنزوح القسري عالميًّا.
تفاقمت معاناة النازحين داخليًّا بشكل غير مسبوق، إذ يعيش الملايين في ظروف بالغة الصعوبة، وسط تدهور الخدمات الأساسية، وانتشار الجوع والأمراض، وانخفاض حاد في حجم المساعدات الإنسانية المتاحة. أُجبرت العائلات على التشرد المتكرر، وفُصل الأطفال عن أسرهم، في ظل غياب الأمان واستمرار العنف، ويعاني النازحون من نقص الغذاء والماء والرعاية الصحية والمأوى، مع تزايد المخاطر الصحية والاجتماعية التي تهدد مستقبلهم.
يشهد السودان أزمة إنسانية واقتصادية متفاقمة، تفاقمت حدتها بسبب الصراع الدائر منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وقد أدت هذه الحرب إلى انهيار اقتصادي وتدهور في الأوضاع المعيشية للسكان، وارتفاع معدلات النزوح والفقر والبطالة، ونقص حاد في الغذاء والخدمات الأساسية، بالإضافة إلى ذلك فاقمت الفيضانات والأمراض المتفشية من معاناة المواطنين هناك.

عودة السودانيون من مصر؟
بينما يستمر النزاع المسلح في السودان مخلفًا أكبر كارثة إنسانية يشهدها العالم وأوسع حركة نزوح للفارّين من نار الحرب والانتهاكات والمجاعة، تنشر “منصة اللاجئين في مصر” تقريرها السنوي الثاني من سلسلة “أبقوا أعينكم على السودان”.
يغطي التقرير أوضاع النازحين السودانيين داخليًّا وخارجيًّا، ويرصد حجم الدمار الذي لحق بالبلاد والبشر ومدى سوء الأوضاع في البلاد، والانتهاكات التي تلحق بالنازحين خارجيًّا إلى دول الجوار، متعمقًا في التحديات والمخاطر والانتهاكات التي تواجه النازحين/ات في مصر، مذكِّرين بأن إحصائيات الحرب والنزوح ليست مجرد أرقام؛ هؤلاء بشر بأحلام وقصص وعائلات وأصدقاء ورفاق وحكايات.
نتيجة التطورات الميدانية في السودان، بدأ مئات السودانيين في العودة إلى البلاد من مصر، في أعقاب العملية العسكرية التي بدأ الجيش تنفيذها اعتبارًا من 26 سبتمبر 2024، واستعاد خلالها مواقع عديدة في أم درمان والخرطوم وولاية سنار بما في ذلك عاصمتها سنجة والدندر.
وقد أفادت منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة، بأن الفرق الميدانية في السودان رصدت زيادة كبيرة في التحركات عبر الحدود من مصر إلى السودان خلال الربع الأول من عام 2025، فقد عاد في الفترة بين 1 يناير وحتى 31 مارس 2025، ما يقدر بنحو 72,039 شخصا من مصر، مقارنة بـ42,418 خلال عام 2024. وبمقارنة متوسط عدد حركات العودة شهريًّا في عام 2025 فهو يعد أعلى بنحو 7 مرات مما كان عليه شهريًّا في عام 2024، وضعف العدد الإجمالي المسجل طوال عام 2024 بأكمله. وعاد 87% من خلال معبر أشكيت الحدودي، و13 % من معبر أرقين.
كما يواجه العديد من العائدين تحديات كبيرة في إعادة بناء حياتهم وسط غياب الخدمات الأساسية واستمرار التوترات الأمنية، فضلا عن ذلك، تستمر الأزمة الإنسانية الحادة التي طالت أكثر من نصف السودانيين الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع انتشار المجاعة في مناطق واسعة خاصة في دارفور وشمال السودان، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق، وهذه الأوضاع لم تتحسن في جميع مناطق الاشتباك، ما يسلط الضوء على أن السودان ليس الخرطوم فقط التي سيطر الجيش على مواقعها الهامة.
بعد دخول النزاع المسلح في السودان عامه الثالث، لا يزال الوضع فيه يمثل واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، فأعداد النازحين بالملايين، والمجاعة ضربت أماكن عدة في السودان، فضلا عن انعدام أمن غذائي حاد لأكثر من نصف السودانيين.
ومع تزايد الاحتياجات المادية، يتزايد كذلك الاحتياج إلى الدعم النفسي، خاصة للنساء والأطفال الذين تعرضوا لأهوال الحرب والعنف الجنسي، ورغم ذلك، يعاني العمل الإغاثي من نقص التمويل، ما يفرض أعباء أكبر على النازحين والمحتاجين.
ينبغي على المجتمع الدولي أن يتوقف عن إدارة ظهره للسودان، والتعامل بازدواجية مع أزمات دول الجنوب العالمي، بالمقارنة مع الحرب الروسية الأوكرانية مثلا، فالأرقام تمثل حَيَواتٍ مهدرة، ومعاناة ملموسة في كل لحظة للأفراد الواقعين في نطاق الاحتياج، ولا أحد بعيدًا عن آثار الأزمات في أي بقعة في العالم.
التقارير الأممية عن الوضع في السودان
شهدت تقارير الأمم المتحدة الأخيرة حول الأزمة في السودان تصعيدًا في التحذيرات بشأن تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية، مع التركيز على عدة تطورات رئيسية خلال الأشهر الماضية:
تفاقم الأزمة الإنسانية والمجاعة: أكدت الأمم المتحدة أن السودان يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًّا، إذ يعاني أكثر من نصف السكان من الجوع الحاد، وتم الإبلاغ عن ظروف مجاعة مؤكدة في خمسة مواقع على الأقل، خاصة في مخيمات النازحين في دارفور ومناطق جبال النوبة الغربية. وتوقعت التقارير أن تتفاقم المجاعة مع حلول موسم الجفاف في مايو 2025، في ظل استمرار القتال وانهيار الخدمات الأساسية.
نزوح غير مسبوق للسكان: تجاوز عدد النازحين داخليًّا وخارجيًّا 15 مليون شخص، أي ما يعادل ثلث سكان السودان، مع تدفق أكثر من 4 ملايين لاجئ إلى الدول المجاورة. وأشارت الأمم المتحدة إلى أن هذا النزوح الجماعي يفرض ضغوطًا هائلة على موارد الدول المضيفة ويهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأسرها.
استمرار العنف وانتهاكات حقوق الإنسان: وثقت تقارير أممية استمرار الهجمات العنيفة على المدنيين، بما في ذلك استخدام الأسلحة الثقيلة في مخيمات النازحين مثل زمزم، ووقوع انتهاكات جسيمة كالإعدامات الميدانية والعنف الجنسي، خاصة في المناطق التي تتبدل السيطرة عليها بين الأطراف المتحاربة.
صعوبة وصول المساعدات الإنسانية: حذرت الأمم المتحدة من أن تصاعد العنف وعرقلة وصول المساعدات، خاصة في شمال دارفور ومخيم زمزم، يهدد حياة آلاف الأسر، وقد اضطر برنامج الأغذية العالمي مؤخرًا إلى تعليق توزيع المساعدات في بعض المناطق بسبب المخاطر الأمنية والقيود المفروضة من قبل الأطراف المتحارب.
دعوات عاجلة للتمويل الدولي: أطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها خطط استجابة إنسانية لعام 2025، مطالبة المجتمع الدولي بتوفير 6 مليارات دولار لتلبية احتياجات نحو 26 مليون شخص داخل السودان وفي المنطقة، مع التأكيد على أن حجم الاحتياجات غير مسبوق ويتطلب تعبئة غير مسبوقة للدعم الدولي.
تأثيرات إقليمية متزايدة: حذرت الأمم المتحدة من أن تداعيات الحرب السودانية باتت تتجاوز حدود البلاد، مع تصاعد التوترات الأمنية والاقتصادية في دول الجوار، مما يهدد الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.
خلاصة التقارير الأممية الأخيرة أن السودان يواجه “حالة طوارئ إنسانية ذات أبعاد صادمة”، مع تصاعد المخاطر على المدنيين وتفاقم خطر المجاعة، وتطالب بتحرك دولي عاجل لوقف القتال وضمان وصول المساعدات وحماية السكان.
ومن أبرز المشاكل والأزمات التي يواجها المواطن السوداني المقيم على أرضه أو النازح داخل وطنه أو العائد من دول النزوح المجاورة مايلي.
التحديات التي تواجه المواطنين:
صعوبة الحصول على الغذاء: يواجه الكثير من السودانيين صعوبة في الحصول على الغذاء بسبب ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات
النزوح المتكرر: يضطر الكثير من السودانيين إلى النزوح بشكل متكرر بسبب استمرار القتال وتدهور الأوضاع الأمنية.
فقدان الممتلكات: فقد الكثير من السودانيين ممتلكاتهم بسبب النهب والتدمير الذي خلفته الحرب
الخوف وانعدام الأمن: يعيش السودانيون في حالة من الخوف وانعدام الأمن بسبب استمرار القتال وانتشار الجريمة
صعوبة الحصول على الخدمات الصحية: يواجه السودانيون صعوبة في الحصول على الخدمات الصحية بسبب نقص الإمدادات الطبية وتدمير المرافق الصحية
الحرمان من التعليم: حُرم ملايين الأطفال من حقهم في التعليم بسبب إغلاق المدارس وتدمير البنية التحتية التعليمية.
الأزمة الإنسانية:
النزوح: يشهد السودان أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث بلغ عدد النازحين داخليًا أكثر من 11 مليون شخص، بالإضافة إلى أكثر من 3.1 مليون لاجئ في الدول المجاورة.
انعدام الأمن الغذائي: يعاني أكثر من نصف سكان البلاد من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويحتاج حوالي 25.6 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة. يواجه ما يقرب من 5 ملايين شخص “مستويات الطوارئ من انعدام الأمن الغذائي”، بما في ذلك 800 ألف شخص معرض للخطر في الفاشر وشمال دارفور، وأغلبهم من النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
سوء التغذية: يعاني حوالي 3.7 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بالإضافة إلى مليون امرأة حامل ومرضعة يعانين من سوء التغذية الحاد.
الأمراض والأوبئة: يواجه السودانيون خطر الإصابة بالأمراض الوبائية مثل الكوليرا والحصبة والملاريا والتهاب الكبد الوبائي.
العنف الجنسي: تواجه أكثر من 4 ملايين امرأة وفتاة خطر العنف الجنسي. تم توثيق مئات حالات الاغتصاب منذ بداية الحرب، مع احتمال أن تكون الأعداد الفعلية أعلى بكثير.
الانهيار الاقتصادي:
انكماش الناتج المحلي الإجمالي: انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 13.5% في عام 2024، بعد انكماشه بنحو الثلث في العام السابق.
ارتفاع معدلات التضخم: ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 170% في عام 2024، مما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين
تدهور قيمة العملة: فقد الجنيه السوداني حوالي 70% من قيمته أمام الدولار في السوق الموازي في الأشهر الأولى من الحرب
ارتفاع معدلات البطالة: قفزت معدلات البطالة إلى 47% في عام 2024، بسبب إغلاق الشركات وتسريح العاملين
توقف الأنشطة الاقتصادية: توقفت العديد من الأنشطة الاقتصادية في البلاد، خاصة في المناطق المتضررة من الحرب، مما أدى إلى فقدان الكثير من الأسر لمصادر دخلها. توقف ما لا يقل عن ألف منشأة اقتصادية عن العمل منذ اندلاع الحرب.
تراجع الصادرات: تراجعت الصادرات السودانية بنحو 60% مع إغلاق مطار الخرطوم وتوقف العمل بمعظم الموانئ الجافة ونقاط التجارة الحدودية.
تفاقم الفقر:
ارتفاع معدلات الفقر المدقع: يعيش حوالي 71% من السكان تحت خط الفقر المدقع في عام 2024، مقارنة بنحو 33% في عام 2022.
تآكل القدرة الشرائية: أدى ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، مما جعل الكثير من الأسر عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية.
نقص الخدمات الأساسية: يعاني السودانيون من نقص حاد في الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم، مما يزيد من معاناتهم.

تأثير الحرب على الفئات الضعيفة:
النساء: تشكل النساء أكثر من نصف النازحين، ويواجهن خطر العنف الجنسي والاستغلال
الأطفال: يمثل الأطفال دون سن الخامسة أكثر من ربع النازحين، ويعانون من سوء التغذية والأمراض والحرمان من التعليم
كبار السن: يواجه كبار السن صعوبة في الحصول على الرعاية الصحية والاجتماعية، ويعانون من الوحدة والعزلة.
الأشخاص ذوو الإعاقة: يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة صعوبة في الوصول إلى الخدمات والمساعدات، ويعانون من التمييز والإقصاء.
جهود الإغاثة والمساعدات الإنسانية:
تبذل المنظمات المحلية والدولية جهودًا كبيرة لتقديم الإغاثة والمساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب في السودان ومع ذلك، تواجه هذه الجهود تحديات كبيرة بسبب صعوبة الوصول إلى بعض المناطق ونقص الموارد.
آفاق المستقبل:
تشير التقديرات إلى أن الوضع المعيشي في السودان سيستمر في التدهور ما لم يتوقف القتال ويتم التوصل إلى حل سياسي للأزمة وحتى في حال توقف القتال، فإن التعافي الاقتصادي وإعادة بناء البلاد سيستغرق وقتًا طويلاً ويتطلب جهودًا كبيرة من الحكومة والمجتمع الدولي
الوضع المعيشي للمواطن السوداني داخل السودان مأساوي ويتطلب تحركًا عاجلاً على جميع المستويات. إن وقف الحرب وتوفير المساعدات الإنسانية ودعم الاقتصاد وتعزيز الحكم الرشيد هي خطوات ضرورية لتحسين حياة السودانيين وإعادة بناء بلادهم على النحو التالي.
وقف فوري لإطلاق النار: يجب على جميع الأطراف المتحاربة وقف القتال والجلوس إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى حل سياسي للأزمة.
توفير المساعدات الإنسانية: يجب على المجتمع الدولي زيادة المساعدات الإنسانية المقدمة للسودان، وتسهيل وصولها إلى جميع المحتاجين.
دعم الاقتصاد: يجب على المجتمع الدولي تقديم الدعم المالي والفني للسودان للمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد وتوفير فرص العمل.
حماية المدنيين: يجب على جميع الأطراف احترام القانون الإنساني الدولي وحماية المدنيين من العنف والانتهاكات.
تعزيز الحكم الرشيد: يجب على الحكومة السودانية العمل على تعزيز الحكم الرشيد ومكافحة الفساد وتحسين إدارة الموارد.
