في مثل هذا اليوم، منذ 138 عامًا، وُلد أحد أبرز رواد الكوميديا في تاريخ المسرح والسينما المصرية، الفنان الكبير علي الكسار، الذي استطاع أن يشق طريقه من حواري حي السيدة زينب إلى قلوب الجماهير، ليصبح واحدًا من الأسماء الخالدة في ذاكرة الفن العربي، بفضل أدائه العفوي وروحه المرحة وقدرته الفطرية على انتزاع الضحكة من القلوب.
علي الكسار
وبمناسبة ذكرى ميلاده التي تحل اليوم الأحد، نستعرض سيرة ومسيرة هذا الفنان الذي بدأ حياته بعيدًا عن الأضواء، لكنه ظل مؤمنًا بأن إسعاد الجمهور هو الثروة الحقيقية التي يسعى إليها.
النشأة والبدايات
وُلد علي الكسار في عام 1887 بحي السيدة زينب العريق، في قلب القاهرة، وَسْط بيئة شعبية بسيطة، وورث عن والده مهنة السروجي، وهي حرفة صناعة السروج ولوازم ركوب الخيل، إلا أن شغفه بالحياة والفن دفعه للابتعاد عن هذه المهنة سريعًا.
عمل الكسار في مقتبل حياته طباخًا مع خاله، حيث أتاح له هذا العمل فرصة الاختلاط بأبناء النوبة الذين كانوا يترددون على المطابخ آنذاك، فتعلم لهجتهم وأتقنها ببراعة، وهو ما استثمره لاحقًا في أدائه الكوميدي، حين جسّد شخصية “عثمان عبد الباسط” التي لاقت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا.
البداية المسرحية
عشق الكسار فن التمثيل منذ صغره، فأسس أول فِرْقَة مسرحية له عام 1907 وأطلق عليها اسم “دار التمثيل الزينبي”، تيمنًا بحي السيدة زينب الذي نشأ فيه.
وسرعان ما ذاع صيته في أوساط المسرح الشعبي، لينتقل بعدها إلى فِرْقَة “دار السلام” بحي الحسين، حيث تزايدت جماهيريته.
دخل الكسار في منافسة فنية شرسة مع الكوميديان الكبير نجيب الريحاني، الذي كان يشتهر آنذاك بشخصية “كشكش بيه”.
وفي محاولة للتميز، ابتكر علي الكسار شخصية “عثمان عبد الباسط”، النوبي الطيب خفيف الظل، الذي حمل طابعًا شعبيًا محببًا، ونجح في أن يفرض بها نفسه على الساحة المسرحية بقوة.
اتجاهه إلى السينما
بعد النجاح الباهر الذي حققه في المسرح، قرر الكسار أن يخوض تجربة السينما، وكانت تلك الخطوة نقطة تحول كبرى في مسيرته.
شارك عام 1935 في أول أفلامه السينمائية “بواب العمارة”، وتوالت بعده الأعمال الناجحة التي كرّسته كأحد نجوم السينما المصرية في تلك الحقبة.
ومن أبرز أفلامه “خفير الدرك” (1936)، “100 ألف جنيه” (1936)، “عثمان وعلي” (1938)، “سلفني 3 جنيه” (1939)، الذي اعتُبر واحدًا من أهم محطات حياته الفنية، وأكد موهبته السينمائية الرفيعة.
واصل الكسار تقديم أفلامه التي بلغ عددها أكثر من 40 فيلمًا، تنوعت بين الكوميديا والمغامرات والأعمال الخيالية، من بينها: “ألف ليلة وليلة”، “علي بابا والأربعين حرامي”، “نرجس”، “ورد شاه”، “أخلاق للبيع”، “أنا وأمي” (1957)، الذي كان آخر أفلامه قبل رحيله.
فلسفة فنية فريدة
في لقاء إذاعي نادر، عبّر الفنان علي الكسار عن رؤيته للفن، مؤكدًا أنه لم يسع يومًا إلى جمع الثروة من وراء التمثيل، بل كان حلمه الأكبر هو أن يكون فنانًا جيدًا يُسعد الناس ويترك بصمة في قلوبهم.
وقد ظل طوال مسيرته وفيًا لهذا الحلم، فكانت أعماله بمثابة نافذة أمل وبسمة صادقة في وجوه البسطاء، وهو ما جعله محبوبًا من مختلف طبقات الشعب.
وفاة على الكسار
في سنواته الأخيرة، عانى الكسار من أزمات صحية متلاحقة، وأجرى عملية جراحية لاستئصال البروستاتا، إلا أن تداعياتها كانت سببًا في وفاته.
ورحل عن عالمنا في 15 يناير 1957، بعد رحلة فنية حافلة امتدت لأكثر من خمسين عامًا، ترك خلالها إرثًا فنّيًا لا يُنسى.
إرث خالد
على الرغْم من مرور أكثر من 138 عامًا على ميلاده، لا تزل أعمال علي الكسار تُعرض حتى اليوم، ولا تزال شخصيته الشهيرة “عثمان عبد الباسط” تُذكر كأحد أشهر وأحب الشخصيات الكوميدية في تاريخ المسرح والسينما المصرية.
وقد أثبت الكسار أن الفنان الحقيقي هو من يصنع مجده من حب الناس، وليس من حسابات البنوك، ليبقى اسمه محفورًا بحروف من نور في سجل عظماء الفن المصري والعربي.

