الحرب، في جوهرها، ليست مجرد صراع مسلح بين أطراف متنازعة، بل تجلٍّ مأساوي لصراع أعمق بين المفاهيم: بين القوة والحق، بين الذاكرة والنسيان، وبين حدود الجغرافيا ومطالب الهوية. وعندما تُسقط الفلسفة تأملاتها على بقعة صغيرة من الأرض، كجزيرة قميرة، تتحول هذه البقعة إلى مرآة لأسئلة كبرى حول السيادة والشرعية والوجود.
نزاع جزيرة قميرة
جزيرة قميرة، التي لا تتجاوز بضعة هكتارات، ليست مجرد صخرة على أطراف المتوسط، بل شاهد صامت على خمسة قرون من الصراع اللامرئي. صراع لا تُسمع فيه أصوات البنادق، بقدر ما تُسمع فيه صرخات التاريخ المعلق، والمستقبل المؤجل. فمنذ أن وضعت إسبانيا يدها عليها عام 1508، تحولت الجزيرة إلى نقطة تجاذب بين ذاكرة استعمارية ومطالبة وطنية، بين قانون القوة وقوة القانون.
الدم والسلاح
إنها حرب لا تخضع لمقاييس الدم والسلاح، بل لحسابات الرمزية والهوية. فكل شبر فيها يعيد طرح السؤال القديم الجديد: هل الأرض تُملك بالاحتلال، أم تُستعاد بالحق؟ وهل يمكن للزمن أن يمنح شرعية لما بدأ على هيئة اغتصاب؟
العدالة والكرامة
في ظل هذه المعادلة الفلسفية المعقدة، تصبح جزيرة قميرة أكثر من مجرد موضوع نزاع سياسي، إنها مساحة وجودية تسائل الضمير الإنساني: عن العدالة، والكرامة، والزمن الذي قد يُطيل عمر الاحتلال، لكنه لا يُنهي شرعيته.
نزاع الـ 5 قرون
بدأت القصة الملحمية في عام 1508، قاد القائد العسكري الإسباني بيدرو نڤارو حملة بحرية للسيطرة على جزيرة قميرة، الواقعة على مقربة من الساحل الشمالي للمغرب، وذلك في إطار عمليات إسبانيا لطرد قراصنة البحر المتوسط وتأمين طرقها البحرية.
ومنذ ذلك الحين، باتت الجزيرة الصغيرة الواقعة على بعد أقل من كيلومترين من مدينة الحسيمة، تخضع للسيطرة الإسبانية، لتدخل بذلك في قلب أحد أقدم النزاعات الإقليمية غير المحسومة في المنطقة.
خلفية تاريخية
كانت جزيرة قميرة إلى جانب مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية – جزءًا من حملة استعمارية إسبانية استهدفت الشمال الإفريقي خلال القرن السادس عشر، بزعم مقاومة القرصنة العثمانية والمغاربية آنذاك. وقد تحولت تلك المناطق إلى نقاط تمركز عسكري واستراتيجي لإسبانيا، ولاتزال تحت سيادتها حتى اليوم، على الرغْم استقلال المغرب في عام 1956.
الجغرافيا والسيطرة
جزيرة قميرة أو “Peñón de Vélez de la Gomera” كما تسميها إسبانيا – لا تتعدى مساحتها 1.9 هكتار، وكانت في السابق جزيرة منفصلة، لكنها باتت متصلة بالساحل المغربي بفعل تراكم الرمال والصخور على مدار القرون الماضية، ما جعلها تبدو كأنها شبه جزيرة.
وتدير إسبانيا الجزيرة باعتبارها “ساحة سيادة” (Plazas de Soberanía)، وهي مناطق خاضعة مباشرة لوزارة الدفاع الإسبانية، ويُمنع على المدنيين دخولها، حيث تتمركز فيها وحدة صغيرة من القوات العسكرية الإسبانية.
موقف المغرب
لطالما اعتبر المغرب الجزيرة – شأنها شأن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية – أراضٍ محتلة، ويطالب باستعادتها ضمن مساعيه لاستكمال وحدته الترابية.
إلا أن إسبانيا ترفض الخوض في أي مفاوضات بشأن هذه المناطق، وتعتبرها “أجزاء لا تتجزأ من أراضيها”، مدعومة بموقف أوروبي غير معلن يتوجس من فتح هذا الباب تفاديًا لأزمات حدودية مماثلة في القارة.
توترات متكررة
على الرغْم من صغر حجمها، كانت الجزيرة مسرحًا لعدة توترات بين البلدين، كان أبرزها في التسعينيات، حين أطلق جنود إسبان النار تحذيريًا تجاه قوارب مغربية اقتربت من المنطقة، كما شهدت المنطقة خلافات دبلوماسية مرتبطة بمحاولات مغربية لإعادة فتح ملف السيادة، يقابلها تشدد إسباني.
نزاع بلا نهاية
يُعد النزاع حول جزيرة قميرة مثالًا كلاسيكيًا على النزاعات الاستعمارية المتجذرة، حيث تتحكم الجغرافيا والتاريخ والسيادة في مستقبل رقعة أرض صغيرة، لكنها تختزل في داخلها إرثًا من التعقيد السياسي والاستراتيجي، لم تفلح خمسة قرون في طيّه، ولا تزال تساؤلات السيادة والشرعية والقانون الدُّوَليّ تلقي بظلالها عليه حتى اليوم.

