في مشهد كوني ساحر ونادر، أعلن فريق من علماء الفلك عن توثيق لحظة ولادة كوكب جديد يدور حول نجم بعيد يُعرف باسم HD 135344B، وذلك في اكتشاف غير مسبوق قد يعيد تشكيل فهمنا لطبيعة تكوّن الكواكب في الكون.
ويقع هذا النجم في كوكبة العقرب على بُعد نحو 440 سنة ضوئية من كوكب الأرض، حيث نجح العلماء، عبر التلسكوب العملاق التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي (VLT)، في التقاط صور استثنائية تُظهر الكوكب الوليد وهو يبدأ في تشكيل أذرع حلزونية من الغبار والغاز حول نجمه الأم، في مشهد أشبه بـ”نحت كوني” يُبرز ملامح أولى لنظام كوكبي ناشئ.
لحظة فريدة بتاريخ الفلك
وفي تعليق على الحدث، قال الباحث الرئيس في الدراسة، فرانشيسكو مايو، من جامعة فلورنسا الإيطالية: “لن نشهد أبدًا ولادة كوكب الأرض، لكننا قد نكون الآن نُراقب كوكبًا يتكوّن أمام أعيننا في أعماق الفضاء السحيق.”
ويُرجّح أن الكوكب المكتشف يُعادل ضعف حجم كوكب المشتري، ويتخذ مدارًا يُشبه تقريبًا المسافة التي يدور فيها كوكب نبتون حول الشمس. ويمثل هذا الاكتشاف تأكيدًا علميًا راسخًا على أن الأنماط الحلزونية والفراغات التي تظهر في أقراص الغبار حول النجوم قد تكون بالفعل مؤشرًا على وجود كواكب ناشئة مخفية داخلها.
تقدم تكنولوجي يُحدث فرقًا
ويُعد هذا الكشف ثمرة للتقدم التقني الكبير في أدوات الرصد الفلكي، حيث استعان الفريق البحثي بأداة “ERIS” المتطورة، التي مكّنت العلماء من رصد الضوء المنبعث مباشرةً من الكوكب نفسه، وهو إنجاز نادر يُعَدّ علامة فارقة في علم الفلك، لاسيّما في مجال دراسة تشكّل الكواكب.
تجدر الإشارة إلى أن العلماء كانوا قد لاحظوا هذه الأنماط الحلزونية منذ عام 2016، إلا أن القيود التكنولوجية في ذلك الوقت حالت دون إثبات وجود كواكب بداخلها بشكل مؤكد.
أبعد وأكثر تعقيدًا
وفي سياق موازٍ، كشف فريق ثانٍ من الباحثين عن اكتشاف مرشح لكوكب جديد حول نجم شاب يُعرف باسم V960 Mon، ويقع على مسافة تقارب 5,000 سنة ضوئية من الأرض. ما يجعل هذا الاكتشاف مثيرًا هو أن النجم يُطلق أذرعًا عملاقة من الغاز والغبار، يتجاوز عرضها حجم مجرة درب التبانة نفسها!
وبحسب تحليل البيانات، فإن هذه الأذرع بدأت في التفكك نتيجة لظاهرة تُعرف بـ “عدم الاستقرار الجاذبي”، وهي آلية نادرة لتكوين الكواكب تختلف عن الآلية التقليدية المعروفة باسم تراكم النواة. وإن ثبتت صحة هذه النظرية، فسيكون هذا أول توثيق مباشر لنشوء كوكب بهذه الطريقة، وربما حتى لتكوّن قزم بني، وهو جسم سماوي يقع في المرتبة بين الكواكب والنجوم.
نافذة على ماضي الأرض
تعيد هذه الاكتشافات العلمية تسليط الضوء على المسارات المتنوعة والمعقدة التي يمكن أن تسلكها الكواكب في بداياتها الأولى، وتُعد بمنزلة نافذة نادرة على الماضي السحيق للكون. ويرى الباحثون أن فهم هذه الظواهر يمكن أن يساعد في تفسير كيفية تشكل كواكب مجموعتنا الشمسية، وعلى رأسها كوكب الأرض، قبل نحو 4.6 مليار سنة.
نظرة إلى المستقبل
في ظل التطورات المتسارعة في تكنولوجيا الرصد الفضائي، يبدو أن البشرية تدخل عصرًا جديدًا من الفهم العميق لتكوين الكواكب والنجوم. وبينما تتفتح أمام أعين العلماء صور كواكب تُولد في الوقت الحقيقي، تتسع آفاق الأمل في فهم أسرار نشأة الحياة والمادة، وربما حتى اكتشاف عوالم شبيهة بالأرض في أماكن نائية من الكون اللامحدود.

