أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بات أقرب من أي وقت مضى، وذلك بعد ما وصفه بموافقة إسرائيل على الشروط الأساسية للمبادرة الجديدة، التي تشمل هدنة مؤقتة لمدة 60 يومًا مع حركة حماس، وَسْط استمرار الجهود الإقليمية والدولية لوقف نزيف الحرب المستمرة منذ أكثر من 20 شهرًا.
وفي تصريحات نشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي يوم الثلاثاء، حسب “أسوشيتد برس”، أوضح ترامب أن بلاده ستعمل مع الجانبين خلال فترة الهدنة المقترحة للتوصل إلى حل دائم ينهي الحرب، محذرًا في الوقت ذاته حركة حماس من “عواقب وخيمة” في حال رفضها للعرض.
تفاصيل المبادرة وظروف الإعلان
ورغم إعلان ترامب عن مبادرة الهدنة، لم تصدر حتى الآن موافقة رسمية من أي من طرفي النزاع عليها. وأفادت وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية، في تقرير مطوّل، أن التفاصيل الدقيقة للمقترح لا تزال قيد التشاور، فيما أشارت إلى أن المبادرة الجديدة مستوحاة من إطار عمل سابق طرحه مبعوث ترامب للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، مطلع العام الجاري.
وأكد ترامب أن كلا من قطر ومصر تضطلعان بدور الوساطة في صياغة اللمسات الأخيرة للمقترح، على أن يُعرض بشكل نهائي على قيادة حماس خلال الأيام المقبلة.
وفي هذا السياق، كشف مسؤول مصري مشارك في المفاوضات، طالبًا عدم الكشف عن اسمه، أن الاقتراح ينص على إطلاق سراح 10 رهائن إسرائيليين خلال فترة الشهرين — ثمانية في اليوم الأول من بدء سريان الهدنة، واثنين في اليوم الأخير.
بنود الاتفاق المقترح
وبحسب مصادر دبلوماسية مصرية وإسرائيلية، يتضمن الاتفاق عدة عناصر أساسية، أبرزها:
انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية من بعض المناطق التي سيطرت عليها في قطاع غزة، مع الإبقاء على قوات محدودة في مواقع استراتيجية.
سماح فوري بإدخال مساعدات إنسانية عاجلة إلى القطاع المنكوب، تحت إشراف الأمم المتحدة والهلال الأحمر الفلسطيني.
استمرار عمل صندوق غزة الإنساني، المدعوم من إسرائيل والولايات المتحدة، لضمان تدفق المساعدات والخدمات الأساسية.
الاتفاق على تشكيل إدارة مدنية مؤقتة للقطاع تُعرف باسم “لجنة دعم المجتمع”، تضم شخصيات فلسطينية مستقلة لا تنتمي لأي فصيل سياسي، لتتولى شؤون غزة خلال المرحلة الانتقالية.
تحولات إقليمية ودولية
ويأتي هذا التحرك في أعقاب تصاعد التوتر في المنطقة، بعد موجة من الضربات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية على مواقع نووية وعسكرية في إيران، التي لطالما دعمت حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية. وتشير التقارير إلى أن النفوذ الإيراني في المنطقة تراجع مؤخرًا، خاصة عقب الحرب التي اندلعت مؤخرًا بين إسرائيل وطهران واستمرت 12 يومًا.
ورغم عَلاقة ترامب الوثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلا أن الرئيس الأمريكي وجه مؤخرًا رسائل قاسية لحكومة الاحتلال، حثها فيها على ضبط النفس وتقليص نطاق الردود العسكرية، الأمر الذي اعتبره مراقبون رسالة طمأنة لحماس بوجود ضمانات أمريكية لأي اتفاق مستقبلي.
عقبات وعناصر خلاف
ورغم تفاؤل الوسطاء بوجود “فرصة كبيرة” للتوصل إلى اتفاق، حَسَبَ دبلوماسي غربي مطلع، إلا أن عدة عراقيل لا تزال قائمة. من أبرزها:
إصرار إسرائيل على عدم السماح لحماس بالاستمرار في حكم غزة بعد انتهاء الهدنة.
عدم حسم مسألة تموضع القوات الإسرائيلية، حيث ترفض تل أبيب حتى الآن الانسحاب إلى المواقع التي كانت تسيطر عليها قبل انتهاء وقف إطلاق النار الأخير في مارس الماضي.
موقف حماس من شروط الإفراج عن الرهائن مقابل أسرى فلسطينيين ووقف إطلاق نار دائم.
موقف الأطراف
وأكد المسؤول المصري في تصريحاته أن حماس ستحتاج إلى مراجعة الاقتراح مع باقي الفصائل الفلسطينية قبل تقديم رد رسمي، فيما جدد نتنياهو، الأربعاء، موقفه المتشدد، قائلاً: “لن تكون هناك حماس بعد وقف إطلاق النار”، ما يعقّد المشهد أكثر.
تجارب سابقة وأمل شعبي
تجدر الإشارة إلى أن وقف إطلاق النار السابق الذي أُبرم في يناير الماضي استند إلى خُطَّة من ثلاث مراحل، لكنه انهار بعد المرحلة الأولى، حيث استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية في 18 مارس، منهية الهدنة بغارات مكثفة.
ورغم حالة الغموض والمخاوف، يبقى الشارع الفلسطيني في غزة يتطلع إلى انفراجة قريبة. وقالت أسماء الجندي، وهي نازحة من مدينة دير البلح تقيم في مخيم للنازحين: “نحن مرهقون للغاية. لقد هجّرونا، وجعنا، وذقنا كل صنوف العذاب. لم يعد في القلب مكان للخوف، فقط ننتظر أن تتوقف الحرب.”
تنازلات حذرة
بين حسابات السياسة وتعقيدات الميدان، يبقى مصير اتفاق وقف إطلاق النار الجديد في غزة رهناً بتنازلات حذرة من الطرفين وضمانات دولية فعلية، بينما ترنو أنظار أهالي القطاع إلى هدنة حقيقية تُنهي معاناتهم الممتدة منذ أكتوبر 2023.

