في قلب الجغرافيا الآسيوية، وعلى خط التماس الجيوسياسي الممتد من جنوب شرق آسيا إلى ما يُعرف بـ”حلقة النار الأوراسية”، اندلعت حرب شاملة بين تايلاند وكمبوديا، لتتحول من مناوشات حدودية إلى نزاع مسلح واسع النطاق، يُعد الأخطر منذ عقود بين الدولتين الجارتين.
الأمن الإقليمي
وبينما يُلقي الصراع بظلاله على الأمن الإقليمي، فإنه في الوقت ذاته يفتح جبهة تنافس عالمي غير معلنة، حيث تجد الأسلحة الصينية والأمريكية نفسها وجهاً لوجه في ميدان قتال حي، لتُختبر قدرتها وكفاءتها في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
بداية الصراع
تعود جذور التوترات بين تايلاند وكمبوديا إلى خلافات تاريخية معقدة، نتجت عن ترسيم الحدود في أوائل القرن العشرين إبان الحقبة الاستعمارية الفرنسية. وتحديدًا حول المعالم الأثرية القديمة لمعابد الخمير، وعلى رأسها معبد “برياه فيهير”، الذي منحته محكمة العدل الدولية لكمبوديا عام 1962، إضافة إلى معابد أخرى متنازع عليها مثل “تا موين ثورن” و”تا كرابي”.
من حادث حدودي لحرب مفتوحة
لكن الشرارة الفعلية للنزاع الحالي اندلعت في 28 مايو الماضي، إثر مناوشة حدودية قُتل فيها جندي كمبودي في منطقة متنازع عليها.
الحادث أشعل تبادلاً حادًا للاتهامات بين البلدين، سرعان ما تطور إلى ردود عسكرية متصاعدة شملت زراعة ألغام أرضية، قصف مدفعي، وهجمات جوية متبادلة.
واتهمت بانكوك كمبوديا بانتهاك السيادة وزرع ألغام أدت إلى إصابة جنودها، ما دفع الجيش التايلاندي إلى شن هجمات واسعة باستخدام طائرات F-16 الأمريكية، وقصف مدفعي دقيق استهدف مواقع كمبودية داخل الأراضي المتنازع عليها.
بكين وواشنطن حياد معلن وصراع غير مباشر
رغم أن الصين والولايات المتحدة أعلنتا تبني موقف حيادي رسمي ودعتا إلى وقف إطلاق نار فوري، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن مواجهة غير مباشرة بين القوتين العظميين.
فـالجيش الكمبودي يعتمد إلى حد كبير على الدعم الصيني، بينما يعد الجيش التايلاندي حليفًا تقليديًا لواشنطن، ويحصل على معظم تسليحه منها.
وفي هذا السياق، كشف موقع ناشيونال إنترست الأمريكي أن الولايات المتحدة حركت حاملة الطائرات USS Nimitz باتجاه تايلاند، في خطوة تُقرأ على أنها رسالة ردع رمزية لبكين.
الأسلحة الصينية بمواجهة الأمريكية
الحرب المشتعلة بين البلدين تحولت إلى ساحة اختبار واقعية للأسلحة والتكنولوجيا العسكرية لكل من الصين والولايات المتحدة.
الأسلحة الصينية بكمبوديا
كمبوديا، خلال السنوات الأخيرة، عززت من شراكتها العسكرية مع بكين، فقد حصلت على مساعدات عسكرية تتجاوز قيمتها 100 مليون دولار منذ عام 2019، وشملت: أنظمة إطلاق صواريخ متعددة (MLRS) مثل AR2 عيار 300 مم، Type 90B عيار 122 مم، مدافع هاوتزر ذاتية الحركة SH15 عيار 155 مم، مُعِدَّات مراقبة وطائرات مسيرة.
تحديث قاعدة ريام البحرية بدعم وتمويل صيني، مما سمح بوجود عسكري صيني دائم على سواحل كمبوديا، كجزء من استراتيجية بكين لتعزيز وجودها البحري في جنوب شرق آسيا.
الأسلحة الأمريكية بتايلاند
في المقابل، تُمثل تايلاند أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة خارج حلف الناتو، وتبلغ قيمة صفقاتها العسكرية النشطة مع واشنطن نحو 3 مليارات دولار، منها 330 مليون دولار في عام 2023 وحده.
ويعتمد سلاح الجو التايلاندي بشكل شبه كلي على: طائرات F-16 الأمريكية، وكذا أنظمة دفاع جوي أمريكية، بالإضافة إلى تقنيات استطلاع وتشويش إلكتروني عالية التطور.
مشاهد من معارك فيتنام
تناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تُظهر اشتباكات عنيفة وتفجيرات كثيفة في المناطق الحدودية، تشبه في طبيعتها مشاهد حرب فيتنام. كما ظهرت لقطات لمعارك ميدانية استخدمت فيها الأسلحة الصينية مقابل الأسلحة الأمريكية، ما دفع محللين إلى وصف الحرب بأنها “معرض حي للأسلحة في زمن الحرب”.
تفوق أمريكي حتى الآن
حَسَبَ “ناشيونال إنترست”، تُظهر المواجهات الميدانية حتى الآن تفوقًا ملحوظًا للقوات التايلاندية المدعومة أمريكيًا، ما قد يُعزز من مكانة السلاح الأمريكي في الأسواق العالمية، في مواجهة الأسلحة الصينية التي تسعى بقوة لغزو أسواق الجنوب العالمي.
لكن يبقى الحكم النهائي رهين سير المعارك خلال الأسابيع المقبلة، ومدى قدرة الصين على دعم حليفتها كمبوديا سياسيًا وعسكريًا دون التورط المباشر في صراع إقليمي موسع.
هل تتسع رقعة الصراع؟
رغم الجهود الدولية للدعوة إلى التهدئة، فإن الوضع لا يزال هشًا. فالمصالح الاستراتيجية العميقة لكل من بكين وواشنطن، والانقسام التاريخي بين تايلاند وكمبوديا، قد يُطيل أمد الصراع، ويزيد من مخاطره على الاستقرار في جنوب شرق آسيا.
وفي غياب حل دبلوماسي سريع، يبدو أن حرب تايلاند وكمبوديا لن تكون مجرد نزاع حدودي عابر، بل ساحة مواجهة جديدة في الحرب الباردة الحديثة بين الصين والولايات المتحدة، ولكن هذه المرة بالذخيرة الحية وعلى أرض الآخرين.

