في أعماق سباق التسلح النووي الذي أشعل الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، ووسط هوس تطوير أسلحة الردع الشامل، وُلد مشروع عسكري أمريكي مرعب أُطلق عليه اسم “مشروع بلوتو”.
لم يكن المشروع عبارة عن صاروخ أو قنبلة عادية، بل كان تطويرًا لما وصفه العلماء لاحقًا بـ”سلاح يوم القيامة”، سلاح لا يُطلق فحسب، بل يظل طليقًا ليحصد الأرواح ويدمر المدن وينشر الموت الإشعاعي أينما مرّ.
سباق اللاعودة
بدأت القصة في عام 1957، وفي ظل تصاعد التوتر بين القوتين النوويتين العظميين آنذاك، قررت الحكومة الأمريكية إطلاق مشروع جديد سري للغاية بالتعاون مع مختبر لورانس ليفرمور الوطني، تحت رعاية لجنة الطاقة الذرية الأمريكية وسلاح الجو الأمريكي.
الهدف كان تصميم سلاح ردع لا يمكن إيقافه، ولا يمكن للعقل البشري تخيل مدى فتكه.
هكذا انطلق مشروع “بلوتو” لتطوير طائرة بدون طيار، تعمل بالطاقة النووية، تُعرف باسم: SLAM: Supersonic Low Altitude Missile، أي “صاروخ فوق صوتي منخفض الارتفاع”.
طائرة لا تموت
كان من المفترض أن تحمل هذه الطائرة – أو الصاروخ الطائر – رؤوسًا نووية متعددة، وتطير بسرعة تفوق 3 ماخ (أي 3 أضعاف سرعة الصوت)، وعلى ارتفاع منخفض للغاية، لتفادي الرادارات؛ ولكن الأخطر لم يكن في حمولتها من القنابل، بل في محركها ذاته.
كانت الطائرة مزودة بمحرك نووي مباشر يُسمى “Tory”، يعمل بتقنية الهواء الساخن المدفوع مباشرة عبر مفاعل نووي.
هذا يعني أن الطائرة لا تحتاج لوقود تقليدي، بل تطير لمدة غير محدودة، حتى يُقرَّر إنهاء مهمتها بعد تدمير كل هدف على طول خط سيرها.
والأسوأ، أن المحرك النووي كان ينفث إشعاعًا نوويًا قاتلًا أينما مرّ، مما يجعل مرورها فوق أي منطقة – حتى دون قصف مباشر – كارثة بيئية مميتة.
مسار الموت وخطة الهجوم
كانت الخطة أن تُطلق هذه الطائرات من قواعد في الولايات المتحدة، وتعبر المحيط الأطلسي عبر مسارات منخفضة، لتتجنب الرادارات، ثم تضرب أهدافًا متعددة داخل الاتحاد السوفيتي.
لكن حتى إن لم تُلقِ قنابلها النووية، فإن مجرد تحليقها بسرعة الصوت على ارتفاع منخفض يُسبب موجات ضغط مدمرة (Boom Sonic) تدمر المباني وتُرعب السكان، إضافة إلى الإشعاع القاتل الذي تتركه خلفها.
وبذلك، تصبح الطائرة سلاحًا ذاتي التشغيل للقتل الشامل، ومجرد وجودها في الجو يعني دمارًا دائمًا في كل الاتجاهات.
التحديات الأخلاقية والعلمية
على الرغْم من الإنجاز التكنولوجي في بناء أول محرك نووي مباشر للطيران في العالم، إلا أن العلماء كانوا مدركين أنهم يصممون “سلاحًا بلا مفتاح توقف”.
فقد كان من المستحيل اختبار الطائرة فعليًا، لأنها ستُشعِع أي منطقة تطير فوقها، وتلوث البيئة بشكل دائم.
بل إن مجرد تشغيلها على الأرض داخل أمريكا كان خطرًا على العاملين والمواطنين، نظرًا لطبيعة المفاعل المكشوف والغير مغطى؛ وهكذا، دخل المشروع في دائرة جدل أخلاقي وعلمي.
نهاية المشروع قبل النهاية
بحلول عام 1964، وفي ظل تحوّل الاستراتيجية الأمريكية نحو الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs)، وتراجع الهوس بالمشروعات النووية التي لا يمكن السيطرة عليها، تقرر إلغاء مشروع بلوتو رسميًا.
ورغم أن النموذج الأولي للمفاعل النووي Tory II-C قد تم اختباره بنجاح في ولاية نيفادا، فإن الطائرة لم تُبنى قط بشكل كامل، ولم تُختبر في الجو أبدًا.
وهكذا، تم دفن السلاح قبل أن يولد، ولكن لم تُنسَ فكرته، بل بقيت في أرشيف الرعب التكنولوجي، كأحد أكثر الأسلحة جنونًا في التاريخ العسكري الحديث.
تحذير للبشرية
اليوم، يُنظر إلى مشروع بلوتو كرمز لفترة مظلمة في سباق التسلح، حيث كانت البشرية على بعد قرار واحد فقط من تدمير الكوكب.
ومع تجدد الحديث عن أسلحة نووية “صغيرة” أو “ذكية”، يُذكّرنا بلوتو بأن القوة دون مسؤولية، والتكنولوجيا دون وعي أخلاقي، قد تقودنا مرة أخرى إلى حافة النهاية.
ما لا تعرفه عن بلوتو
حملت الطائرة لقبًا مرعبًا داخل الأوساط العسكرية: “الوحش الذي لا يمكن إيقافه”، حيث أن المشروع أُطلق عليه اسم بلوتو نسبة إلى إله العالم السفلي في الأساطير الرومانية، فيما كانت الطائرة مصممة لتُحلّق في الجو لمدة أسابيع، مع قابلية تغيير وجهتها لأهداف جديدة أثناء الطيران، المشروع الرهيب نُفذ بسرية تامة، ولم يُكشف عنه إلا بعد سنوات طويلة.
آلة موت مستمرة
كان مشروع بلوتو محاولة لصناعة “آلة موت مستمرة”، لا يمكن توقيفها ولا السيطرة على آثارها. ورغم أنه لم يرَ النور، إلا أن مجرد التفكير فيه يكشف كيف يمكن للبشرية أن تقترب من حافة الدمار، باسم الأمن أو الردع أو التكنولوجيا.
في زمن الأسلحة الذكية، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، يبقى مشروع بلوتو تذكارًا مرعبًا من ماضٍ نووي كاد أن يُفني العالم بأكمله.

