في مشهد بات متكررًا بشكل يثير القلق لدى سكان جنوب غرب آيسلندا، أعلن مكتب الأرصاد الجوية الآيسلندي، اليوم الأربعاء، عن ثوران بركاني جديد في منطقة شبه جزيرة ريكيانيس، ليُضاف إلى سلسلة من الانفجارات البركانية التي شهدتها البلاد خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديدًا منذ عام 2021، التي بلغ عددها الآن اثني عشر ثورانًا، ما يعكس تصاعدًا ملحوظًا في النشاط الجيولوجي في تلك المنطقة.
بركان جديد
ووفقًا للبيان الصادر عن هيئة الأرصاد الجوية، فإن البركان الأخير قد ثار في جنوب غرب آيسلندا، بالقرب من بلدة جريندافيك، وهي المنطقة نفسها التي كانت قد تعرضت لعدة ثورات بركانية سابقة خلال العامين الماضيين.
وتُعد هذه الظاهرة الجيولوجية استمرارًا لنشاط متصاعد يُثير تساؤلات العلماء حول أسباب عودة هذه البقعة الجغرافية إلى حالة من عدم الاستقرار البركاني بعد فترة طويلة من الخمود.
وما يميّز هذه الثورات هو أنها لا تخرج من فوهات بركانية تقليدية، بل تتشكّل تدفّقات الحمم البركانية من شقوق طويلة في قشرة الأرض، وهي ظاهرة معروفة في التكوينات البركانية الآيسلندية، خصوصًا في منطقة الصدع الأطلسي الذي تمر عبره الجزيرة.
الخطر قائم
حتى الآن، لم تُشكّل هذه الثورات البركانية أي تهديد مباشر للعاصمة ريكيافيك، التي تبعد نحو 40 كيلومترًا عن موقع الانفجار، كما لم تتسبب في انتشار كميات كبيرة من الرماد البركاني في طبقات الجو العليا (الستراتوسفير)، وهي الطبقة المسؤولة عن تعطيل حركة الطيران عند حصول ثورات بركانية ضخمة.
مدينة الصيد المهجورة
البلدة الأقرب إلى موقع الثوران هي “جريندافيك”، وهي بلدة صيد صغيرة تقع على الساحل الجنوبي الغربي، وكانت تأوي نحو 4000 نسمة قبل أن تصدر السلطات أمرًا بإخلائها في عام 2023، إثر تصاعد النشاط الزلزالي وتكرار تدفق الحمم البركانية نحو محيطها.
ومنذ ذلك الحين، تحوّلت البلدة إلى منطقة شبه مهجورة، وَسْط استمرار تحذيرات السلطات من إمكانية تعرضها لمزيد من الخطر في أي لحظة.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية التي التُقطت صباح اليوم تدفّقات حمم جديدة تخرج من الشقوق الأرضية، فيما تواصل فرق الرصد الجيولوجي مراقبة التصدعات وتقييم احتمالية توسع الثوران أو اندلاع نقاط جديدة في المنطقة المحيطة.
جزيرة النار والجليد
آيسلندا، التي تُعرف بلقب “أرض النار والجليد”، تقع على حافة الصدع التكتوني بين الصفائح الأوراسية والأمريكية الشمالية، ما يجعلها واحدة من أكثر المناطق في العالم نشاطًا من الناحية البركانية.
ويُقدّر عدد البراكين النشطة في الجزيرة بأكثر من 30 بركانًا، بعضها خامل منذ قرون، وبعضها الآخر في حالة يقظة دائمة. وتشير التقديرات الجيولوجية إلى أن الجزيرة تشهد انفجارًا بركانيًا كل خمس سنوات في المتوسط، إلا أن الفترة ما بين عامي 2021 و2025 شهدت نشاطًا استثنائيًا، ما دفع بعض العلماء إلى وصف ما يحدث بأنه “مرحلة نشطة غير مسبوقة منذ قرون”.
بين الزلازل والحمم
ويصاحب هذه الانفجارات البركانية عادةً نشاط زلزالي مكثف، وهو ما يُعقّد جهود الإنقاذ أو محاولة التنبؤ بموقع الثورات القادمة. وكانت أجهزة الرصد قد سجّلت مئات الهزات الأرضية الصغيرة خلال الأيام الأخيرة في منطقة ريكيانيس، وهو ما رجّح العلماء أن يكون مؤشرًا على قرب انفجار جديد، وهو ما تحقق بالفعل اليوم.
لا تأثير فوري على الطيران
حتى لحظة إعداد التقرير، لم تُسجّل تأثيرات مباشرة على حركة الطيران الدُّوَليّ أو المحلي، لكن سلطات الملاحة الجوية تبقى في حالة تأهب دائم، تحسبًا لاحتمال انتشار الرماد البركاني في الأجواء، وهو ما حدث في عام 2010 عندما ثار بركان “إيافيالايوكوتل” وتسبب في شلل جزئي لحركة الطيران في أوروبا لأيام.
السكان يترقبون
من جانبهم، أكد علماء الجيولوجيا في جامعة آيسلندا ومعهد علوم الأرض أن النشاط الحالي “يدعو للقلق لكنه ليس مفاجئًا”، إذ أن البيانات الزلزالية والحرارية كانت تشير إلى ارتفاع محتمل في تدفق الحمم والغازات البركانية.
ويواصل مكتب الأرصاد الجوية الآيسلندي تقديم تحديثات لحظية، فيما ناشدت السلطات السكان بالابتعاد عن المناطق المتضررة، وعدم الاقتراب من الشقوق أو مناطق انبعاث الحمم، حرصًا على سلامتهم.
العملاق الآيسلندي
تشهد آيسلندا اليوم واحدة من أكثر الفترات الجيولوجية اضطرابًا في تاريخها المعاصر، حيث يتكرّر مشهد تدفّق الحمم والإنذارات المبكرة بشكل بات يؤثر على حياة السكان المحليين ويثير اهتمام المجتمع العلمي العالمي.
وفي ظل استمرار النشاط الزلزالي وتوسع الشقوق البركانية، يبقى السؤال المطروح:
هل ما نشهده هو مرحلة انتقالية نحو استقرار جديد، أم بداية لنشاط طويل الأمد سيعيد تشكيل الخريطة الجيولوجية للمنطقة؟
الزمن وحده سيكشف الإجابة، لكن ما هو مؤكد أن آيسلندا لن تنام قريبًا… فعملاقها الغاضب لا يزال يتنفس نارًا تحت الجليد.

