في واحدة من أكثر القضايا المأساوية التي شهدها صعيد مصر خلال السنوات الأخيرة، تسود حالة من الحزن والذهول في قرية دلجا التابعة لمركز دير مواس بمحافظة المنيا، عقب وفاة أبُّ و6 من أطفاله في ظروف غامضة لا تزل ملابساتها غير واضحة حتى اللحظة.
الحادث الذي وصفه الأهالي بأنه «فوق التصور»، أعاد إلى الواجهة تساؤلات خطيرة عن دور الجهات الطبية، والبيئية، والاجتماعية في التعامل مع كوارث صحية مفاجئة داخل منازل المصريين.
6 أطفال يُنقلون للمستشفى
بدأت القصة قبل أيام، حين ظهرت على عدد من أطفال أسرة “ناصر محمد علي” أعراض صحية حادة شملت قيئًا، ارتفاعًا مفاجئًا في الحرارة، وتدهورًا عامًا في الوعي.
تسارع المأساة
تم نقل الأطفال على وجه السرعة إلى مستشفى المنيا العام، وهناك بدأ الفريق الطبي يشك في وجود تسمم غذائي أو تسمم بيئي، لكن الحالة سرعان ما خرجت عن السيطرة.
ورغم محاولات إنقاذهم، توفي ستة من الأطفال تباعًا خلال أيام قليلة، بينما تم نقل الأبُّ –الذي بدأت عليه نفس الأعراض– إلى مستشفى أسيوط الجامعي لتلقي رعاية متقدمة، لكن القدر لم يمهله، وفارق الحياة صباح الجمعة، لترتفع حصيلة الضحايا إلى سبعة من أفراد الأسرة.
النيابة تدخل على الخط
أمام فداحة المأساة، فتحت النيابة العامة تحقيقًا موسعًا في الواقعة، شمل استدعاء الطب الشرعي والمعامل المركزية بوزارة الصحة لتحليل العينات المأخوذة من أجساد الضحايا، ومحاولة الوقوف على السبب الدقيق للوفاة.
تحقيقات الطب الشرعي
وفي تطور جديد يوم السبت، توجهت والدة الأطفال الستة، الناجية الوحيدة من الأسرة، إلى مقر مصلحة الطب الشرعي، حيث تم أخذ عينة بيولوجية منها لتحليلها ضمن التحقيقات الجارية.
ويأتي هذا الإجراء كجزء من فحص شامل تقوم به الجهات المختصة، في محاولة لفهم ما إذا كانت هناك عوامل وراثية، أو تسمم منزلي، أو حتى تدخل جنائي محتمل أدى إلى هذه الوَفِيَّات المتلاحقة.
تكهنات مواقع التواصل
منذ لحظة الإعلان عن الوفاة المتسلسلة لأفراد الأسرة، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بسيل من التكهنات والشائعات، تراوحت بين الحديث عن مرض غامض، وفرضيات حول تسمم جماعي بفعل فاعل، بل وذهبت بعض التعليقات إلى التشكيك في الطعام أو الماء المستخدم داخل المنزل.
وزارة الصحة تحذر
إلا أن وزارة الصحة سارعت إلى إصدار بيان مقتضب نفت فيه كل ما يتم تداوله خارج إطار التحقيقات الرسمية، مؤكدة أن “كل ما يُنشر لا يستند إلى مرجعية علمية، وقد يُعرقل مجرى التحقيق”.
استخراج جثث وتحاليل دقيقة
وكانت النيابة العامة قد أصدرت قرارًا سابقًا بـ استخراج جثتين من الأطفال المتوفين، وإحالتهما إلى الطب الشرعي لتحليل الأنسجة والدم والسموم المحتملة، بعد وفاة الطفلة الأخيرة “رحمة” التي كانت ترقد في حالة حرجة بمستشفى أسيوط، قبل أن تُعلن وفاتها لتكمل دائرة الحزن.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن تحليلات مخبرية دقيقة أُجريت للعناصر البيئية داخل المنزل، شملت مياه الشرب، وأواني الطهي، ومحتويات الثلاجة، وأجهزة الغاز المنزلي، وذلك في محاولة لاكتشاف أي عامل خارجي محتمل.
هل هناك شبهة جنائية؟
حتى الآن، لم تصدر أي جهة تحقيقات نهائية تؤكد أو تنفي وجود شبهة جنائية، إلا أن مصادر قريبة من جهات التحقيق أوضحت أن كل السيناريوهات لا تزال مطروحة، وأن نتائج التحاليل المجمعة هي التي ستفصل في طبيعة الواقعة، سواء كانت حادث تسمم عرضي، مرض معدٍ نادر، أو تدخل بشري.
اللافت أن والدة الأطفال –وهي الزوجة الوحيدة الباقية على قيد الحياة– لم تُصب بأي أعراض مشابهة، ما أضفى مزيدًا من الغموض على المسألة، ودفع النيابة لطلب فحص حالتها بدقة عالية.
صدمة وذهول
في قرية دلجا، خيمت حالة من الصدمة والذهول، حيث قال أحد الجيران: “لم نر شيئًا مثل هذا من قبل.. الأسرة كانت هادئة، والأطفال محبوبون، والأب رجل بسيط… ثم فجأة نسمع أنهم ماتوا جميعًا!”
وقال شيخ من وجهاء القرية: “الكل في انتظار كلمة الطب الشرعي. هناك قلق كبير، لا نعرف إن كانت المشكلة في الماء أم الغاز أم شيء آخر.”
فاجعة إنسانية
في الوقت الذي تستمر فيه التحقيقات، تتعلق أنظار الرأي العام المحلي بمخرجات تحقيقات النيابة والطب الشرعي، على أمل كشف الغموض وراء حادثة وصفت بأنها “أكثر الحوادث إيلامًا في صعيد مصر” خلال السنوات الأخيرة.
إن ما جرى في دلجا ليس مجرد مأساة عائلية، بل صدمة إنسانية تستوجب محاسبة دقيقة إن وُجد تقصير، أو تطوير نظم الكشف المبكر والرعاية الصحية المنزلية، حتى لا تتكرر مثل هذه الكارثة.

