في واحدة من أكثر اللحظات درامية في التاريخ الروماني، اجتاحت النيران قلب العاصمة، مدمرة الأحياء والأسواق والمعابد، تاركةً وراءها مدينة محطمة، وشعبًا مذهولًا، وإمبراطورًا لا تزل صورته محل جدل حتى يومنا هذا.
حريق روما الكبير
إنها قصة حريق روما الكبير، الذي اندلع في عهد الإمبراطور نيرون، وتحوّل إلى حدث يتردد صداه في كل دراسة للتاريخ القديم، حيث تتقاطع الحقائق الموثقة بالروايات التي قد تكون أقرب إلى الأساطير.
الشرارة الأولى
في ليلة 18 يوليو من عام 64 ميلاديًا، اندلع الحريق في الجناح الجنوبي الشرقي من مدينة روما، تحديدًا في المنطقة التجارية القريبة من السيرك الكبير (Circus Maximus)، وهي ساحة سباق للخيل ومركز تجاري ضخم، تحيط به محال مصنوعة في معظمها من الخشب والقش، مما جعله بيئة مثالية لاشتعال النيران.
وقد أشارت بعض المصادر، مثل المؤرخ الروماني تاسيتوس (Tacitus)، إلى أن الحريق انتشر بسرعة جنونية بفعل الرياح القوية وازدحام الأحياء السكنية، واستمر لستة أيام متواصلة، ثم عاد ليشتعل مجددًا لمدة ثلاثة أيام أخرى، ليُحوّل العاصمة إلى مدينة من رماد.
دمار شامل
تسبب الحريق الهائل في تدمير 10 من أصل 14 حيًا في العاصمة الرومانية تدميرًا كاملًا، كما تضرر الحيان المتبقيان بدرجات متفاوتة، ما جعل المدينة بأسرها شبه مشلولة، وكذا تسبب في تشريد الآلاف من سكان المدينة وفقدان أرواح لا تُحصى، كما انهيار العديد من المعابد والمنتديات والمكتبات، وكذا تسبب الحريق المدمر في ضياع وثائق أرشيفية ومخطوطات رسمية، أدت إلى فجوة إدارية ومعرفية ضخمة في تاريخ روما.
نيرون حاكم بمرمى الشائعات
ووسط ذلك العبث كان الإمبراطور نيرون وقت اندلاع الحريق يقيم في قصره الواقع في مدينة أنتيوم الساحلية، بعيدًا عن العاصمة، إلا أنه سرعان ما عاد إلى روما فور علمه بالكارثة، وأصدر أوامره بفتح حدائق القصر لإيواء المتضررين، كما تم توزيع الطعام والمياه مجانًا.
إلا أن هذه الإجراءات، على الرغْم من طابعها الإنساني، لم تُطفئ الشكوك التي بدأت تحوم حول سلوك نيرون ونواياه، خاصة بعد ما تردّد عن رغبته في هدم المدينة القديمة لإعادة بنائها حسب رؤيته الإمبراطورية.
أسطورة نيرون يعزف وروما تحترق
من أشهر الروايات التي ارتبطت بالحريق، زعم البعض أن نيرون كان يعزف على آلة القيثارة ويتغنى بسقوط طروادة بينما كانت روما تغرق في ألسنة اللهب؛ وهي صورة رسخت في الذاكرة الشعبية باعتباره طاغية لا مباليًا، يتسلى بمصائب شعبه.
الآلة الكمان
لكن الحقائق التاريخية تُشكك في هذه الرواية، حيث أن نيرون لم يكن متواجدًا في المدينة ساعة اندلاع الحريق، وكذا الآلة الموسيقية “الكمان” لم تكن معروفة في ذلك العصر، ما يرجّح الطابع الأسطوري للقصة، فيما كشف المؤرخ سويتونيوس ذكر هذه الحكاية بعد وفاة نيرون، مما يعزز فرضية أنها قد تكون دعاية مضادة له.
كبش فداء جديد
مع تزايد الغضب الشعبي، وخوف نيرون من اندلاع تمردات ضده، اتجه لإلقاء اللوم على جماعة ناشئة تُعرف آنذاك باسم “المسيحيين”، الذين كانوا يُعتبرون طائفة سرية وغامضة لدى كثير من الرومان.
فبدأت واحدة من أول موجات الاضطهاد الكبرى ضد المسيحيين، حيث، تم اعتقال المئات منهم وتعذيبهم بوحشية، كما استخدمهم نيرون كمشاعل بشرية لإضاءة حدائق قصره ليلًا، وكذا جرت عمليات صلب وقتل جماعي، تسببت في موجة من الرعب في المجتمع المسيحي الأول.
قصر ذهبي وغضب شعبي
بعد انطفاء الحريق، أطلق نيرون مشروعًا ضخمًا لإعادة بناء المدينة بطريقة أكثر تنظيمًا، تضمن شوارع واسعة مستقيمة، استخدام الحجارة بدلًا من الخشب في البناء، أنظمة مائية جديدة لمكافحة الحرائق.
إلا أن ما أثار الشكوك من جديد هو إعلانه عن بناء قصره الفخم “القصر الذهبي” (Domus Aurea) في قلب المنطقة التي أتت عليها النيران.
القصر كان تحفة معمارية بمعايير ذلك الزمن، مزودًا ببحيرات صناعية وحدائق وتماثيل عملاقة، ما اعتبره البعض دليلًا على أن الحريق ربما كان متعمدًا لتوفير مساحة للمشروع الإمبراطوري.
سقوط نيرون
لم يكن الحريق سوى البداية لسنوات من التوتر السياسي، والثورات الإقليمية، والتدهور الاقتصادي؛ حيث فقد نيرون تدريجيًا دعم مجلس الشيوخ والجيش، حتى اضطر في النهاية إلى الهروب من العاصمة، وانتحر في يونيو عام 68 ميلاديًا، لتنتهي بذلك سلالة “يوليو-كلوديان” الحاكمة.
التاريخ لا يُطفئ النيران
يبقى حريق روما الكبير رمزًا للحظة مأساوية في تاريخ الإمبراطورية الرومانية، ومثالًا على كيف يمكن أن يتحول الحاكم إلى أسطورة تتجاوز الوقائع، سواء أكان مذنبًا أم لا.
فرغم غياب الأدلة القطعية على ضلوع نيرون في إشعال الحريق، إلا أن الدمار الذي تبعه، وقراراته اللاحقة، ساهما في تثبيت صورته كإمبراطور أحرق شعبه من أجل مجده الشخصي.
وفي النهاية يظل السؤال قائمًا: هل كان نيرون هو الجاني الحقيقي؟ أم أنه كان ضحية أساطير سياسية خلّدها التاريخ؟

