في واقعة غريبة أثارت جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، أقدم رجل صيني على شراء نعش لوالدته السبعينية، في مشهد استعراضي أثار دهشة الكثيرين، لكنه في ذات الوقت يعكس جانباً فريداً من التقاليد الريفية الصينية المتأصلة في الثقافة والمعتقدات الشعبية.
نعشًا فاخرًا
ففي بلدة “شوانجشيكو” التابعة لمقاطعة “تاويوان” بمدينة “تشانجده”، الواقعة في إقليم “هونان” جنوب الصين، استأجر رجل – لم يتم الكشف عن هويته – نعشًا فاخرًا لوالدته المسنة، ودفع مقابلًا لاستئجار 16 رجلاً لحمله في موكب احتفالي مهيب من المتجر إلى منزله، في لفتة رمزية تعبر عن برّه بها، وتُعد في الثقافة المحلية فألًا حسنًا يجلب البركة وطول العمر.
فيديو يثير الدهشة
وانتشر مقطع فيديو يوثق الحادثة بشكل واسع عبر منصات التواصل الصينية، ويظهر فيه موكب لافت للأنظار: سيدة مسنة تجلس داخل نعش خشبي وهي تلوح بمروحة صغيرة، بينما يحمل النعش 16 رجلاً – 8 في المقدمة و8 في المؤخرة – على وقع موسيقى تعزفها فِرْقَة نحاسية، أمام حشد كبير من الأهالي الذين وقفوا لمتابعة هذا المشهد غير التقليدي.
ولدى وصول النعش إلى منزل العائلة، أقيمت طقوس تقليدية شملت حرق أعواد البخور وتقديم القرابين، في مشهد احتفالي جمع بين الطقوس الروحية والممارسات الشعبية.
التابوت رمز للبركة
وفي تعليق على هذه الواقعة، أوضح السيد “تانج”، وهو أحد سكان البلدة المحليين وشارك في الحدث، في حديث لمحطة إذاعة قويتشو التلفزيونية، أنه شهد مثل هذه الطقوس ثلاث مرات من قبل، مشيرًا إلى أنها “عادة ريفية قديمة تُعبّر عن البر بالوالدين”. وأضاف: “كبار السن في القرى يسعدون جدًا بهذه المراسم، لكنّها لم تعد شائعة كما كانت من قبل”.
ويُشار إلى أن كلمة “تابوت” في اللغة الصينية تُنطق “جوانكاي”، وهي قريبة لفظيًا من عبارة تعني “الثروة الرسمية”، وهو ما يفسر ارتباط النعوش في الثقافة الصينية بالبركة، والرخاء، وطول العمر. ويُعتقد أن السماح لكبار السن الأحياء بتجربة التابوت يرمز إلى السلام الداخلي والتصالح مع فكرة الموت، بل ويجلب الحظ الطيب.
مراسم تكاليف باهظة
وأكد تانج أن الغرض من هذا التصرف هو “جلب الفرح والسعادة للأم المسنة”، مضيفًا أن التكلفة الإجمالية للحفل، التي شملت استئجار حاملي النعش، والفرقة الموسيقية، وتنظيم مأدبة طعام كبيرة للضيوف، بلغت نحو 20 ألف يوان، أي ما يعادل حوالي 2800 دولار أمريكي.
وتُظهر العادات الريفية في الصين أن بعض كبار السن، عند بلوغهم سن السبعين أو أكثر، يحرصون على تجهيز نعوشهم مسبقًا والاحتفاظ بها في المنزل، كنوع من الاستعداد الروحي، ويُطلق عليها في بعض الأحيان “جنازات الأحياء”، التي تُعتبر احتفالات بالحياة أكثر منها طقوس وداع.
الثمانية الخالدون
ومن بين الطقوس اللافتة أيضًا، أن النعش في هذه المراسم لا يُسمح له بملامسة الأرض إطلاقًا، بل يُحمل بشكل متواصل بواسطة عدد من الأشخاص – غالبًا 8 أو 16 – يُشار إليهم في الثقافة الصينية باسم “الثمانية الخالدون”، وهو رَقْم يرتبط بالحظ الجيد والرمزية الروحية في الأساطير الصينية.
ويساهم الأهالي في حمل النعش خلال الموكب لضمان استمرار الحركة بسلاسة، وهو ما يُعد من علامات الاحترام والتكافل المجتمعي.
الحدث يشعل النقاش
ولم تمر الواقعة مرور الكرام، إذ أثارت ردود فعل واسعة على منصات الإنترنت، وتباينت التعليقات ما بين الدهشة والتقدير. فكتب أحد المعلقين: “إنها المرة الأولى التي أرى فيها شخصًا حيًا يُحمل داخل نعش… أتمنى أن تعيش حتى المئة”.
فيما كتب آخر: “من المعتاد تجهيز نعش عند بلوغ السبعين، لكنه نادرًا ما يتم بهذا الشكل العلني المثير”.
تقاليد متأصلة
وعلى الرغم من أن هذه العادات أصبحت أقل شيوعًا في المدن والمجتمعات الحضرية الحديثة، إلا أنها لا تزل تحتفظ بمكانتها في بعض المناطق الريفية، حيث يظل تقدير كبار السن، واحترام دورة الحياة والموت، جزءًا أساسيًا من النسيج الثقافي الصيني.
ختامًا، فإن ما يبدو غريبًا في أعين الغرباء، قد يكون لدى البعض الآخر تعبيرًا عن الحب، والتكريم، والاحتفاء بالحياة، حتى ولو كان ذلك داخل نعش.

