في تطور لافت للأحداث الدامية التي تشهدها محافظة السويداء جنوب سوريا، ألقت الحكومة السورية، اليوم الإثنين، باللوم على غياب مؤسسات الدولة، لاسيما المؤسسات العسكرية والأمنية، في ما آلت إليه الأوضاع الأمنية المتدهورة بالمنطقة.
غياب مؤسسات الدولة
وأفاد وزير الداخلية السوري أنس خطاب في تصريح نشره عبر حسابه الرسمي على منصة (إكس) — تويتر سابقًا — بأن “غياب مؤسسات الدولة، وخصوصاً العسكرية والأمنية منها، يُعد سببًا رئيسيًا لما يحدث في السويداء وريفها من توترات متواصلة”.
وأضاف الوزير: “لا سبيل للخروج من هذه الدوامة سوى من خلال فرض الأمن وتفعيل دور مؤسسات الدولة بالشكل الكامل، بما يضمن استعادة السلم الأهلي وعودة الحياة إلى طبيعتها بكل تفاصيلها.”
خلفية الاشتباكات
تأتي هذه التصريحات عقب اندلاع اشتباكات مسلحة عنيفة خلال الساعات الماضية بين مجموعات مسلحة محلية وعشائرية في حي المقوس بمدينة السويداء. وأسفرت هذه المواجهات عن مقتل 37 شخصًا على الأقل، وفقًا لما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان، من بينهم 27 من أبناء الطائفة الدرزية، بينهم طفلان، و10 من أبناء عشائر البدو، فضلًا عن نحو 50 مصابًا.
وكانت وزارة الداخلية السورية قد أبدت في بيان رسمي، مساء أمسِ الأحد، بالغ القلق والأسى تجاه هذه الأحداث الدامية، معتبرة أن التصعيد الخطير جاء في ظل غياب المؤسسات الرسمية المعنية، ما أدى إلى تفاقم الوضع الأمني، وانفلات السيطرة، وعجز المجتمع المحلي عن احتواء الأزمة على الرغْم تكرار الدعوات للتهدئة.
وأوضحت الوزارة أن هذا الانفلات الأمني المتفاقم تسبب في ارتفاع أعداد الضحايا، وهدد بشكل مباشر السلم الأهلي في المحافظة، التي تُعد أكبر تجمع لأبناء الطائفة الدرزية في البلاد.
تحركات أمنية عاجلة
وفي إطار احتواء التصعيد، أعلنت وزارتا الدفاع والداخلية عن بدء دفع قوات إلى مواقع التوتر، للسيطرة على الأوضاع ووقف الاشتباكات الدائرة، واستعادة الأمن في الأحياء المتأثرة، وملاحقة المتسببين بالأحداث، تمهيدًا لإحالتهم إلى القضاء المختص.
وجاء في بيان الداخلية: “وحدات من قوات الأمن الداخلي، بالتنسيق مع وزارة الدفاع، ستباشر تدخلاً ميدانياً مباشراً في المناطق الساخنة بمدينة السويداء وريفها، بهدف فض النزاع المسلح وفرض النظام، وضمان حماية المدنيين وممتلكاتهم، ومنع تكرار مثل هذه المآسي.”
مناشدات للتهدئة
دعت الحكومة السورية كافة الأطراف المحلية إلى ضبط النفس، والامتناع عن العنف، والتعاون مع قُوَى الأمن الداخلي حفاظًا على أرواح المدنيين وممتلكاتهم، مشددة على أن استمرار هذه المواجهات لا يخدم إلا حالة الفوضى، ويزيد من معاناة المواطنين في المحافظة.
كما جددت قيادات روحية درزية، في بيانات منفصلة، دعواتها لوقف أعمال العنف، وحثّت الحكومة المركزية في دمشق على التدخل الفوري، وفتح حوار شامل يعالج جذور التوتر المزمن في المحافظة، ويصون حقوق وكرامة كافة مكونات المجتمع السويدائي.
توترات أمنية متكررة
يُشار إلى أن محافظة السويداء ظلت لفترات طويلة في منأى عن الصراع السوري الدموي الذي اندلع في 2011، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت توترات أمنية متكررة بين مجموعات محلية مسلحة وقوات حكومية، فضلًا عن خلافات عشائرية في بعض المناطق، على خلفية نزاعات اجتماعية وأمنية وملفات تتعلق بالخدمة العسكرية والحقوق الاقتصادية.
وفي أبريل ومايو الماضيين، سجلت المحافظة مواجهات مماثلة بين أبناء الطائفة الدرزية وقوات الأمن، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاقات تهدئة مؤقتة، بدعم من وجهاء دروز ووسطاء حكوميين.
وفي أعقاب تلك الأحداث، باشرت السلطة الانتقالية في دمشق، بقيادة الرئيس أحمد الشرع — الذي تولى الحكم في ديسمبر الماضي عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد — سلسلة لقاءات مع أعيان السويداء ومسؤوليها الروحيين، في محاولة لتخفيف حدة التوترات، إلا أن الاحتقان ظلّ قائماً.
إغلاق طرق وتعطيل الدراسة
على خلفية الاشتباكات الأخيرة، تم إغلاق الطريق الدُّوَليّ الرابط بين دمشق والسويداء بشكل كامل، فيما قررت وزارة التربية والتعليم السورية تأجيل امتحانات الشهادة الثانوية في مادة التربية الدينية بمحافظة السويداء إلى موعد لاحق.
الشراكة الوطنية
مع استمرار حالة التوتر الأمني في السويداء، تتجه الأنظار إلى كيفية تعامل الحكومة السورية مع هذا الملف المعقد، وَسْط دعوات شعبية ودينية محلية بضرورة احتواء النزاع عبر الحُوَار الشامل وتكريس مبدأ الشراكة الوطنية، عوضًا عن الحلول الأمنية وحدها.

