في مشهد يعكس حجم الألم والاضطهاد الذي تعانيه بعض المناطق السورية، أعلنت مصادر محلية وفاة الشيخ مرهج شاهين، أحد الشخصيات الاجتماعية البارزة في محافظة السويداء، بعد أيام من انتشار مقطع فيديو صادم وثّق تعرّضه للإهانة من قبل مجموعة مسلحة تابعة لقوات النظام السوري، الأمر الذي تسبب في موجة من الغضب الشعبي داخل وخارج المحافظة.
الوفاة حزنًا
وبحسب ما نقلته شبكة “السويداء 24” المحلية، فإن الشيخ شاهين، البالغ من العمر أكثر من 80 عامًا، فارق الحياة متأثرًا بحالة من القهر النفسي والحزن العميق، بعدما ظهر في تسجيل مصوّر أُجبر فيه على الجلوس أرضًا وتم حلق شاربه، في مشهد مهين بالنسبة لمكانته وسنه، على يد مسلحين بقيادة المدعو أحمد الشرع، الذي يُعتقد أنه أحد قادة المجموعات المرتبطة بالأجهزة الأمنية السورية.
ولزم الشيخ منزله منذ وقوع الحادثة، ولم يغادره حتى لحظة وفاته، متأثرًا بما تعرّض له من إذلال علني أمام أهله وعشيرته، الأمر الذي وصفه مقربون منه بأنه “كسر لنفسه ومكانته”، خاصة أنه كان معروفًا باعتداله وحرصه على الصلح الاجتماعي في منطقة تعصف بها التوترات الطائفية والعشائرية.
غضب شعبي
أثار الفيديو المسيء الذي انتشر بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، موجة عارمة من الغضب والاستنكار، لاسيما بين أبناء بلدة الثعلة التي ينتمي إليها الشيخ، التي تُعد واحدة من القرى المهمة في ريف السويداء الغربي.
ورأى الكثيرون في هذا المشهد تعديًا على القيم المجتمعية والدينية للطائفة الدرزية، التي تضع احترام الكبار وحرمة الشيوخ في مكانة عالية، واعتبروه تصعيدًا خطيرًا من قبل بعض الأجهزة الأمنية التي لم تراعِ سن الشيخ ولا ظروفه النفسية والاجتماعية.
مواجهات السويداء
تأتي هذه الحادثة المؤلمة في سياق تصعيد ميداني خطير تعيشه محافظة السويداء منذ صباح الأحد الماضي، حيث اندلعت مواجهات دامية بين مجموعات مسلحة محلية من الطائفة الدرزية ومسلحين من بعض العشائر البدوية في المنطقة، سرعان ما تطورت لتشهد تدخلًا مباشرًا من قوات النظام السوري.
ووفقًا لآخر حصيلة أوردها المرصد السوري لحقوق الإنسان صباح الأربعاء 16 يوليو/تموز 2025، فقد ارتفعت حصيلة القتلى إلى 248 شخصًا، بينهم: 64 مقاتلًا درزيًا، 28 مدنيًا، بينهم 21 أُعدموا ميدانيًا برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية، 138 عنصرًا من قوات النظام (الجيش والأمن العام)، 18 مسلحًا من العشائر البدوية.
ولم تتوقف الأحداث عند هذا الحد، إذ أعلنت إسرائيل تدخلها في الصراع، وأكدت أنها استهدفت آليات عسكرية ومواقع أمنية سورية في محيط السويداء، ما يزيد من تعقيد المشهد وخطورته على المستويين الداخلي والإقليمي.
الجيش سيرد بقوة
في المقابل، أصدرت وزارة الدفاع السورية بيانًا صباح الأربعاء، أكدت فيه أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع وجهاء السويداء لم يُحترم، مضيفة أن “مجموعات خارجة عن القانون” عادت لمهاجمة مواقع الجيش، مما دفع القوات إلى الرد.
وشدد البيان على أن قوات الجيش “تملك الحق الكامل في الرد على مصادر النيران”، مؤكدة استمرار العمليات العسكرية حتى “استعادة الأمن في المنطقة”، حسب تعبيرها.
صراع السلطة والانتماء
تُعد محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية من المناطق التي شهدت توترًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، خاصة مع تنامي نفوذ الجماعات المسلحة المحلية، وتراجع الثقة بالأجهزة الأمنية المركزية.
كما تشكّل المحافظة موقعًا حساسًا في الخارطة السورية، نظرًا لتركيبتها الاجتماعية المعقّدة، وارتباط بعض العشائر المحيطة بها بقوى إقليمية، مما يجعل من أي اشتباك داخلي فيها مرشحًا للتدويل أو التصعيد عبر الحدود، كما حصل مع التدخل الإسرائيلي الأخير.
مأساة وطنية
يبقى رحيل الشيخ مرهج شاهين عنوانًا مأساويًا لما آلت إليه الأوضاع في سوريا، حيث يموت الشرفاء قهرًا لا برصاص الحرب فقط، ويُهانون علنًا في مشهد يعكس انهيارًا حادًا في منظومة القيم والأمان.
وإذ تنعي السويداء أحد رجالها الأجلّاء، فإن الجرح الذي خلّفه المشهد المؤلم ما زال مفتوحًا، ولا يبدو أن المأساة ستنتهي قريبًا، طالما استمرت لغة السلاح فوق صوت العقل، وتجاوزت الانقسامات حدود الإنسانية.

