في كشف علمي مثير أدهش علماء الفلك حول العالم، رصد فريق بحثي تابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا كوكبًا غريبًا أطلق عليه العلماء اسمًا غير رسمي “الكوكب ذو رغبة الموت”، نظرًا لظروفه القاسية التي تجعله وكأنه يسير حثيثًا نحو نهايته الحتمية.
نجم شاب
ويقع هذا الكوكب في نظام نجمي يبعد عن الأرض نحو 415 سنة ضوئية، حيث يدور حول نجم شاب يعرف باسم HIP 67522، وَسْط بيئة كونية بالغة العنف.
كوكب في مواجهة موت بطيء
يدور الكوكب، الذي يوازي حجمه تقريبًا حجم كوكب المشتري، في مدار قريب جدًا من نجمه المضيف، ما يجعله عرضة لانفجارات نجمية عنيفة تعرف بـالتوهجات الشمسية. وتنتج هذه التوهجات طاقة تفوق تلك التي تصدرها شمسنا بما يقرب من عشرة آلاف مرة، مسببة تآكلًا تدريجيًا للغلاف الجوي الرقيق المحيط بالكوكب.
ويتوقع العلماء أن تستمر هذه الظاهرة المدمرة في استنزاف الكوكب حتى يفقد جزءًا كبيرًا من كتلته، ليصبح في غضون مئة مليون سنة بحجم يقارب حجم كوكب نبتون، أي أقل من ثلث حجمه الحالي.
النجم ذو نشاط عنيف
ويتميز النجم المضيف HIP 67522 بكونه أكبر حجمًا بقليل من شمسنا، إلا أنه أكثر برودة نسبيًا، وأصغر عمرًا بكثير، إذ يقدر عمره بـ17 مليون سنة فقط، مقارنة بعمر الشمس الذي يتجاوز 4.5 مليار سنة.
ويرجع السبب في هذه الانفجارات النجمية العنيفة إلى سرعة دوران النجم وقوة مجاله المغناطيسي، وهو ما يؤدي إلى توليد توهجات شمسية مدمرة كلما مر الكوكب أمامه.
آلية الاكتشاف
استطاع العلماء رصد هذه الظاهرة الغريبة لأول مرة بوساطة تلسكوب مسح الكواكب الخارجية العابرة (TESS) التابع لوكالة ناسا، حيث تمكن الفريق من توثيق 15 توهجا شمسيا متزامنًا مع عبور الكوكب أمام نجمه.
وكشفت هذه الملاحظات أن الكوكب يلعب دورًا محفزًا لهذه الانفجارات، إذ يتفاعل مع خطوط المجال المغناطيسي للنجم بطريقة تجعلها تنفجر بطاقة هائلة.
رؤية العلماء حول الظاهرة
وحول هذه الظاهرة غير المألوفة، صرحت الدكتورة إيكاترينا إيلين، الباحثة الرئيسية في الدراسة، قائلة: “نعتقد أن الكوكب يتصل بخطوط المجال المغناطيسي للنجم، محرضًا موجات طاقة تنتقل عبر هذه الخطوط لتسبب انفجارات توهجات عنيفة”.
وأضافت: “يمكننا تخيل الأمر كما لو أن الكوكب يهز هذه الخطوط المغناطيسية الضخمة مثل الحبال المشدودة، مؤديًا إلى إطلاق هذه الطاقة الهائلة”.
أكثر عنفًا من المتوقع
ورغم أن فكرة التفاعل بين الكواكب وخطوط المجال المغناطيسي للنجوم ليست جديدة، إذ طُرحت منذ عقد التسعينيات، فإن ما فاجأ العلماء أن الطاقة المنبعثة من هذه التوهجات فاقت التوقعات بحوالي مئة ضعف، ما يرجح أن الكوكب قد يكون مسرعًا لانفجارات كانت على وشك الحدوث بطبيعتها.
مستقبل البحث
لا يتوقع العلماء أن تدمر هذه الانفجارات الكوكب بشكل كامل، لكنها ستستمر في استنزاف غلافه الجوي تدريجيًا، وهو ما قد يغير من خصائصه الفيزيائية بمرور الوقت، في ظاهرة يرى الباحثون أنها ربما تكون أكثر شيوعًا بين الكواكب التي تدور حول نجوم شابة وسريعة الدوران.
ويخطط الفريق العلمي حاليًا لإجراء مزيد من الأبحاث باستخدام أطوال موجية مختلفة من الإشعاع، ولا سيما الأشعة فوق البنفسجية عالية التردد وأشعة إكس، لما لها من تأثيرات أشد ضررًا على الغلاف الجوي للكوكب.
تلسكوب بلاتو
وفي إطار الجهود المستقبلية، تستعد وكالة الفضاء الأوروبية لاستخدام تلسكوبها الجديد “بلاتو” (PLATO)، لمراقبة نجوم شبيهة بالشمس تنتج توهجات أقل عنفًا، بهدف توسيع قاعدة البيانات حول هذا النوع من التفاعلات الكوكبية-النجمية الغريبة، بما يمكن العلماء من فهم العَلاقة الدقيقة بين الكواكب ونجومها.
أسطورة الحياة والموت
ويُعد هذا الاكتشاف نافذة جديدة لفهم دورات الحياة والموت الكوني، وتفاعل الكواكب مع بيئاتها النجمية في مراحل عمرية مختلفة، ما يعزز تصوراتنا عن مصير الأنظمة الكوكبية في الكون الواسع.


