في قلب صحراء مترامية الأطراف بمحافظة المهرة شرق اليمن، وَسْط أرض قاحلة صامتة لا تطأها أقدام البشر إلا نادرًا، تقبع واحدة من أكثر الظواهر الطبيعية إثارة للرعب والجدل في الموروث الشعبي العربي — بئر برهوت.
بئر برهوت
ذلك الاسم الذي ارتبط في الذاكرة الجمعية لليمنيين والعرب بمفاهيم العالم السفلي، وأسرار الأرواح المعلقة، وأساطير الجن والمردة.
موقع البئر
يقع بئر برهوت في منطقة صحراوية وعرة تُعرف باسم فج مرخة، على أطراف محافظة المهرة المحاذية لحضرموت، شرقي اليمن.
تُقدَّر فَتْحَة البئر بقطر يقارب 30 مترًا، بينما اختلفت الروايات والقياسات الحديثة حول عمقها، إذ تتراوح التقديرات بين 100 إلى 250 مترًا، فيما أفادت دراسات حديثة أن عمقها يبلغ نحو 112 مترًا.
يمتاز جوف البئر برائحة كريهة تفوح من أعماقها، فيما لا تصل أشعة الشمس إلى قعرها مطلقًا، وتغلفها هالة من الغموض تجبر أهالي المنطقة على تجنبها، خشية ما يُحكى عنها من أهوال وأساطير.
سجن الشياطين
يعود ذكر بئر برهوت إلى عصور ما قبل الإسلام، وتواترت الأحاديث في كتب التراث عن أنها حفرة حفرها الجن بأمر ملكهم الأكبر، ليودع فيها مردة شياطينهم وكبار العتاة منهم.
وفي الثقافة الشعبية اليمنية، يُعتقد أنها سجنٌ للأرواح الكافرة التي تبقى معلقة فيها إلى يوم القيامة.
وقد ورد في الحديث الشريف ما يعزز من رهبة هذا المكان، إذ جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بئر برهوت”، (رواه الطبراني في “المعجم الكبير”).
ويقال إن ماء هذه البئر عفن، لا يُشرب، ويفوح منه نتن لا يُطاق.
روايات السكان المحليين
لم تكن الأسطورة وحدها كفيلة بإرهاب الناس، بل تناقل أهالي المهرة وحضرموت جملة من الحكايات الغريبة حول البئر.
فمنذ قرون، يروي السكان سماع أنينٍ وصراخٍ ينبعث من جوفها في ساعات الليل المتأخرة، وتحدثوا عن طيور تحلق فوقها لكنها لا تجرؤ على النزول إلى جوفها، ومن اقترب منها، اختفى أثره.
أصوات ومخلوقات الليل
فيما تُشاهد أحيانًا أضواء غامضة تحيط بها عند الغروب، فيما تتعطل الأجهزة الإلكترونية بالقرب منها، ويصاب الناس بنوبات ضيق تنفس إذا ما تجاوزوا حدودها.
ويروي كبار السن من أبناء المنطقة أن بعض الرعاة فقدوا مواشيهم عند الاقتراب من فوهتها، كما تحدثوا عن مخلوقات داكنة تتحرك حول حواف البئر ليلاً، سرعان ما تتوارى في العتمة.
بعثات استكشافية
على الرغْم كل تلك الحكايات، ظلّ العلم عاجزًا عن تفسير أسرار بئر برهوت لعقود طويلة.
ففي عام 2021، تمكن فريق استكشاف عماني من النزول إلى قاع البئر لأول مرة في تاريخها، مستعينين بحبال وأجهزة تنفس بسبب انخفاض نسبة الأكسجين في الأعماق.
وكشفت البعثة عن وجود، مياه راكدة عفنة تميل إلى الخضرة، بقايا حيوانات نافقة مثل الكلاب والثعابين، تكوينات صخرية غريبة تشبه الستائر الحجرية.
ورغم أن الفريق لم يجد دلائل قاطعة على وجود أي قُوَى خارقة، إلا أنهم لم يتمكنوا من تبديد حالة الرهبة أو تفسير الكثير من الظواهر الغامضة المرتبطة بالبئر.
ويؤكد صلاح بابحير، مدير هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية في حضرموت، في تصريح لوكالة “فرانس برس”، أن السلطات لم تستطع النزول إلى عمق يتجاوز 50 مترًا بسبب نقص الأكسجين والظروف البيئية الخطرة.
وأضاف: “لاحظنا أشياءً وروائح غريبة لم نتمكن من تحديد طبيعتها”، واصفًا الوضع بأنه “غريب جدًا”.
الذاكرة العربية
لطالما مثلت بئر برهوت تجسيدًا لمفهوم البئر الملعونة في الثقافة العربية.
فقد ذكرها المؤرخون والرحالة العرب في كتبهم، وأشاروا إليها بمسميات مثل “قعر جهنم”، و”بيت الأرواح الهالكة”.
وكان كثير من العرب في الأزمنة القديمة يتحاشون حتى ذكر اسمها، خشية أن يُصيبهم مكروه.
أعجز العلم
على الرغْم محاولات العلم الحديث فكّ أسرار بئر برهوت، إلا أن ما تختزنه من رهبة وأسطورة لا يزال حاضرًا في الوجدان الشعبي العربي.
فهل هي مجرد ظاهرة جيولوجية نادرة؟ أم أن وراءها أسرارًا لم تكشفها البشرية بعد؟
تبقى هذه الحفرة السحيقة علامة فارقة بين الحقيقة والأسطورة، وسؤالًا معلقًا على فوهة واحدة من أغرب وأخطر حفر الأرض، التي أعجزت العلم والعلماء.

