في يوم من أيام التاريخ التي لا تُنسى، وتحديدًا في 6 أبريل عام 1250م، كتب المصريون فصلًا مجيدًا في سجل الصمود والدفاع عن الأرض ضد الغزو الأجنبي، حين نجح جيش المماليك بقيادة الأمير بيبرس البندقداري ورفاقه من أمراء المماليك في توجيه ضربة قاصمة للحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، وذلك في معركة دامية عُرفت باسم معركة فارسكور، أسفرت عن أسر الملك الفرنسي نفسه وسقوط حملته العسكرية أمام عزيمة المصريين.
أطماع صليبية
بدأت الحملة الصليبية السابعة في عام 1248م، حين قرر لويس التاسع ملك فرنسا شن حملة عسكرية ضخمة على مصر، باعتبارها القلب النابض للعالم الإسلامي آنذاك، بهدف احتلالها وقطع الإمدادات عن الشام، في محاولة لاستعادة النفوذ الصليبي في الشرق بعد سلسلة من الهزائم التي مُنيت بها الحملات السابقة.
نزلت الحملة الفرنسية إلى شواطئ دمياط في صيف عام 1249م، ونجحت في احتلالها بعد انسحاب القوات المصرية منها في خطوة تكتيكية، لتبدأ القوات الصليبية زحفها نحو منطقة المنصورة.
المنصورة
في قلب مدينة المنصورة، جهزت مصر جيشها بقيادة السلطان الصالح نجم الدين أيوب الذي كان على فراش المرض، وأسند إدارة المعركة إلى شجرة الدر ووزرائه وأمراء المماليك، وعلى رأسهم ركن الدين بيبرس وفخر الدين يوسف.
تمكن المصريون من إعداد خُطَّة محكمة لاستدراج القوات الصليبية داخل المدينة، حيث فتحوا بعض أبواب المنصورة عمدًا ليدخل منها فرسان الحملة الفرنسية، قبل أن تنقض عليهم قوات المماليك في شوارع المدينة، وتبيد معظمهم في قتال عنيف سقط فيه الآلاف من الجنود الفرنسيين، بينهم قادة كبار.
معركة فارسكور
بعد هزيمته في المنصورة وانهيار قواته، حاول لويس التاسع الانسحاب بما تبقى من جيشه المنهك نحو دمياط، إلا أن قوات المماليك طاردته حتى وصل إلى منطقة فارسكور شمال المنصورة.
وفي السادس من أبريل 1250م، وقعت معركة فارسكور، حيث طوقت القوات المصرية الجيش الصليبي المتقهقر وأمطرتهم بوابل من السهام، قبل أن تنقض عليهم بالسيوف والرماح.
لم تدم المعركة طويلًا، إذ سرعان ما انهارت صفوف الصليبيين بعد مقتل عدد كبير من فرسانهم، وأُسر الملك لويس التاسع نفسه مع كبار قادته، في ضربة موجعة وضعت نهاية رسمية للحملة الصليبية السابعة.
أسر الملك لويس التاسع
اقتيد لويس التاسع إلى منزل ابن لقمان في المنصورة، حيث بقي أسيرًا لدى المصريين عدة أشهر، وَسْط مفاوضات قاسية بين المماليك والفرنسيين.
وبعد دفع فدية مالية ضخمة قدرها 400 ألف دينار، وإعادة مدينة دمياط إلى المصريين، أُفرج عن لويس التاسع في صيف 1250م، ليعود إلى بلاده مهزومًا مدحورًا.
انتصار تاريخي
مثلت معركة فارسكور واحدة من أعظم الانتصارات العسكرية في التاريخ الإسلامي، وأثبتت قدرة المماليك على التصدي لأعتى الجيوش الأوروبية.
كما أسست تلك المعركة لعصر جديد في مصر، حيث أسفرت الأحداث لاحقًا عن تولي المماليك الحكم بعد وفاة السلطان الصالح أيوب، وصعود شجرة الدر للحكم كأول امرأة تحكم مصر في العصر الإسلامي، قبل أن يتولى بيبرس البندقداري لاحقًا قيادة الدولة المملوكية.
ذكرى خالدة
حتى اليوم، لا تزال فارسكور والمنصورة تخلدان ذكرى هذه المعركة التاريخية، التي لقن فيها المصريون ملك فرنسا درسًا لن ينساه التاريخ.
وقد دون المؤرخون وقائعها بتفاصيل دقيقة، لتبقى شاهدة على بطولة أبناء مصر وقدرتهم على حماية أرضهم وصد الغزاة على مر العصور.

