في مشاهد صادمة تُسلط الضوء على عالم الجريمة المنظمة الذي يتحرك في الخفاء داخل المجتمع البريطاني، كشف وثائقي جديد تفاصيل مروعة عن استغلال العصابات المنظمة للضعفاء والمهمّشين، وإجبارهم على العمل ضمن شبكات الاتجار بالمخدرات تحت وطأة التهديد والابتزاز المالي فيما يعرف بـ”عبودية الديون”.
مشاهد من داخل أقسام الشرطة
في أحدث حلقات برنامج “24 ساعة في الحجز لدى الشرطة” الذي تبثه قناة Channel 4 البريطانية، تابع المشاهدون عن كثب لحظة توقيف مراهق صغير السن، يشتبه في تورطه بتجارة المخدرات. وخلال التحقيقات، اكتشف الضابط لي بريموناتو من شرطة مقاطعة بيدفوردشير رسائل نصية مرعبة على هاتف الفتى، كان من بينها تهديد مباشر من أفراد عصابة إجرامية يهددون فيه بطعن والدته إذا لم يسدّد مبلغًا من المال يزعمون أنه مدين لهم به.
شبكة إجرامية متغلغلة
وأوضح الضابط بريموناتو أن هذا الشاب كان واحدًا من ضحايا عصابات تُعرف محليًا باسم “عصابات خطوط المقاطعات” (County Lines)، وهي شبكات إجرامية منظمة تنشط بين المدن والمقاطعات البريطانية. وتعتمد هذه العصابات بشكل أساسي على استغلال القاصرين والأشخاص ذوي الظروف الاجتماعية والنفسية الهشة، بإجبارهم على نقل وترويج المخدرات باستخدام العنف والتهديد بالعقاب الجسدي أو استهداف أفراد أسرهم.
تهديدات وعنف ممنهج
وبيّنت لقطات الفيديو أن المراهق بدا عليه بوضوح الإرهاق وآثار العنف البدني، حيث ظهر منكّس الرأس، في مشهد وصفه الضابط بريموناتو قائلًا: “يبدو كضحية حقيقية. لقد مرّ بتجربة قاسية”.
ووفق إفادات الشرطة، يتم استدراج هؤلاء الضحايا من خلال وعود زائفة بالمال والمكانة، قبل أن يجدوا أنفسهم محاصرين وَسْط عالم الجريمة، دون مفر، بعد تحميلهم بمبالغ مالية وهمية تُسجّل عليهم كـ”ديون”، ما يُرغمهم على مواصلة العمل ضمن الشبكة الإجرامية تحت التهديد المستمر.
عبودية الديون
وكشفت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة (NCA) في تقرير رسمي أن هذه العصابات تستخدم استراتيجية تُعرف باسم “عبودية الديون”، إذ يُجبر الشبان والمراهقون على حمل كميات من المخدرات أو مبالغ مالية، ويُحمَّلون ديونًا زائفة عن كميات لم يتسلموها أو أموال لم يتعاملوا بها. وتُستخدم هذه الديون المزعومة وسيلةً لإبقائهم تحت السيطرة الكاملة.
وأشار الضابط بريموناتو إلى أن العصابات تلجأ إلى أساليب خداع متقنة، حيث يُطالب الضحايا بمبالغ عن بضائع لا علم لهم بها أصلًا، مما يخلق حلقة مفرغة من الديون والتهديدات المتجددة، تجعل من المستحيل على الضحية الإفلات من قبضة الشبكة.
شهادات من الجريمة
وفي مشهد آخر من الحلقة الوثائقية، أجرى الضباط حوارًا مع شاب يُدعى جوردان، تم العثور داخل شقته على عدة هواتف محمولة، وقوائم بالممنوعات، وأدوات لتعاطي المخدرات.
واعترف جوردان بأنه كان يُجبر على السماح لأفراد العصابة باستخدام شقته كمقرّ مؤقت لتخزين المخدرات وتوزيعها، قائلًا: “كانوا يستغلون إدماني… يملؤونني بالمخدرات لأظل موجودًا فقط”.
وأشار إلى أنه وبعد أن نجح في الإقلاع عن التعاطي منذ أسبوعين فقط، بات وجوده مزعجًا للعصابة التي بدأ يخشى انتقامها.
كما ضبطت الشرطة ورقة مكتوبة بخط يد جوردان، كتب فيها: “٣٠ جنيهًا إسترلينيًا مقابل ٥ لترات”، في إشارة إلى صفقة لبيع لفائف من مادة الكوكايين. وأوضح أنه كان يُسجّل كل مبلغ أو معاملة خوفًا من تحميله ديونًا وهمية تهدّد حياته.
واقع مُقلق
تؤكد السلطات الأمنية البريطانية أن عصابات “خطوط المقاطعات” لا تزل تمثل أحد أخطر أشكال الجريمة المنظمة في البلاد، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفًا وهشاشة في المجتمع.
ودعت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة إلى رفع الوعي المجتمعي بخطورة هذه العصابات وأساليبها الملتوية، مع ضرورة الإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة أو حالات استغلال محتملة.
وتواصل الشرطة البريطانية، بالتعاون مع أجهزة أمنية متخصصة، تنفيذ حملات موسعة لتفكيك هذه الشبكات، إلا أن التقارير تشير إلى أن التحدي ما زال كبيرًا، في ظل توسّع العصابات وتطور أساليبها.

