حين يُساق الظلام على أجنحة الحديد والنار، تنهض الشعوب لا لتنتصر، بل لتُثبت أنها لا تُهزم؛ بهذا المعنى العميق، يمكننا أن نُوجز تاريخ الشعوب العربية في مواجهة قُوَى الاستعمار، التي جاءت إلى بلادنا متسلّحة بالبنادق والمدافع، تتوهم أن الأرض تُنتزع بالقوة، وأن الكرامة تُخضع بالقهر؛ غير أنها وجدت في انتظارها شعبًا أعزل… لكنه أبى أن يُهزم.
الشعب المصري
ومن بين تلك الشعوب، وقف الشعب المصري، مسالمًا بطبعه، مؤمنًا بعدالة قضيته، ولكنه ما إن فُرضت عليه المواجهة، حتى حوّل صبره إلى مقاومة، وصمته إلى صرخة تزلزل أقدام الغزاة.
نابليون يدخل القاهرة
في مثل هذا اليوم، 24 يوليو عام 1798، دخل القائد الفرنسي نابليون بونابرت العاصمة المصرية القاهرة على رأس قواته الغازية، مُعلنًا بدء حقبة جديدة من الاحتلال الأوروبي لمصر، في إطار الحملة العسكرية التي أطلقها مطلع يوليو من العام ذاته، بهدف قطع طرق التجارة البريطانية إلى الهند، وتوسيع النفوذ الفرنسي في الشرق.
مرحلة جديدة من الاحتلال تبدأ
كان نابليون قد بدأ حملته بالنزول إلى الإسكندرية في 1 يوليو 1798، ثم توجّه جنوبًا نحو العاصمة، حيث واجه قوات المماليك بقيادة مراد بك وإبراهيم بك في معركة إمبابة (أو معركة الأهرام) يوم 21 يوليو، التي انتهت بانتصار ساحق للقوات الفرنسية بفضل التكتيكات العسكرية الحديثة والتفوق في التسليح، ما مهّد الطريق لدخول القاهرة بعد ثلاثة أيام فقط.
وبعد سيطرته على العاصمة، سعى نابليون إلى تثبيت أقدامه عبر إجراءات تنظيمية، كان أبرزها إنشاء “ديوان القاهرة”، ومحاولات لكسب ودّ الشعب المصري من خلال منشورات زعم فيها احترامه للإسلام والشريعة. لكن محاولاته تلك لم تُخفِ الوجه الحقيقي لحملته، التي سرعان ما قوبلت بمقاومة شعبية شرسة.
معركة أبي قير البرية
وفي مثل هذا اليوم من عام 1799، أي بعد عام من دخول القاهرة، خاضت القوات الفرنسية بقيادة بونابرت معركة أبي قير البرية ضد قوات الدولة العثمانية التي حاولت استعادة السيطرة على مصر، بدعم من الأسطول البريطاني.
انتصار عسكري قصير الأجل
وقعت المعركة في خليج أبي قير قرب ساحل البحر المتوسط، حيث نزلت القوات العثمانية بقيادة مصطفى باشا دون تحصينات كافية، وهو ما استغله نابليون في تنفيذ هجوم مفاجئ ومحكم أسفر عن مقتل المئات وأسر الآلاف، بمن فيهم القائد العثماني نفسه.
على الرغْم من هذا الانتصار، إلا أن أثره كان محدودًا على المستوى الاستراتيجي، خاصة في ظل تصاعد المقاومة المحلية، وتدهور الوضع العسكري والسياسي للفرنسيين، لا سيما بعد تدمير الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية (معركة النيل) على يد القائد البريطاني هوراشيو نلسون في أغسطس 1798.
نهاية الحملة الفرنسية
مثّلت معركة أبي قير آخر إنجاز عسكري كبير لبونابرت في مصر، حيث غادر البلاد لاحقًا في أغسطس 1799 عائدًا إلى فرنسا، تاركًا خلفه جيشًا في حالة تراجع، ومقاومة شعبية لا تزال تتصاعد.
وقد كانت أبرز محطات تلك المقاومة ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر 1798، التي شهدت تحركًا شعبيًا واسعًا في وجه قوات الاحتلال، قوبلت بقمع شديد أدى إلى سقوط مئات الشهداء، لكنها رسخت في الوعي الوطني أن الاحتلال مهما طال، لا يدوم.
شعب لم يعرف الهزيمة
دخلت فرنسا مصر مدججة بالسلاح، تبحث عن نفوذ وتجربة إمبراطورية جديدة، لكنها خرجت محمّلة بخيبة استراتيجية، ومطاردة بذاكرة شعب لم يعرف الهزيمة على الرغْم من السكون؛ فالحديد يصدأ، والنار تخبو… أما الشعوب التي تتشبث بالكرامة، فإنها تخلد.

