منذ فجر التاريخ، والإنسان يحدق في السماء، مأخوذًا بتلك النقاط المتلألئة التي تخترق ظلمة الليل كحبات نورٍ متناثرة في محيطٍ لا نهائي.
النجوم
لم تكن النجوم مجرد مشهد جمالي، بل كانت أول رموزٍ حاول الإنسان فهمها، فقرأ فيها الأزمنة، واستدل بها على الطرق، وربطها بأساطيره ودياناته، حتى أصبحت السماء أول كتاب مفتوح أمام البشرية.
واليوم، وفي استمرارٍ لتلك الرحلة الممتدة بين الإنسان والسماء، تمكن مرصد الختم الفلكي في أبوظبي من التقاط واحدة من أكثر الصور الكونية إبهارًا لسديم يُعد من التحف السماوية البديعة، وهو سديم “مخلب القط” أو كما يُعرف علميًا بـ NGC 6334.
صورة استثنائية
الصورة الجديدة، التي التُقطت بعد جَلسة تصوير دامت 9.75 ساعة متواصلة، باستخدام تلسكوبين فلكيين وكاميرا ملونة مزوّدة بفلاتر خاصة لتقليل التلوث الضوئي، قدّمت رؤية غير مسبوقة لهذا السديم، وأظهرت تفاصيله الدقيقة رغم التحديات الفلكية والجوية، إذ لا يتجاوز ارتفاعه عن الأفق في أفضل حالاته 30 درجة، ما يجعل تصويره مهمة بالغة الصعوبة.
وتضمّن التصوير 195 لقطة، استُخدم فيها تلسكوب بقطر 5 إنشات لالتقاط 92 صورة، وآخر بقطر 4 إنشات لالتقاط 103 صور، بواقع 3 دقائق لكل لقطة، في بيئة تصنّف بدرجة سادسة على مقياس “بورتِل” للتلوث الضوئي، وهو مقياس يستخدم لتحديد جودة السماء لمراقبة الأجرام السماوية.
سديم مخلب القط
يقع هذا السديم الساحر في كوكبة العقرب، ضمن مجرة درب التبانة، ويبعد عن الأرض نحو 5,500 سنة ضوئية، ما يعني أن الضوء الذي وصل عدسات التلسكوبات اليوم انطلق من هناك منذ ما يزيد عن 4370 عامًا، أي قبل ميلاد المسيح بأربعة قرون، في صورة تمثل ماضٍ كوني عميق لا يمكن تخيّله.
لوحة سماوية من الغاز والغبار
وعلى الرغم من أن حجمه الظاهري في السماء أكبر قليلًا من القمر البدر، فإن حجمه الحقيقي مذهل؛ فلو حاول الضوء عبور السديم من طرفه إلى طرفه، وهو يقطع 300 ألف كيلومتر في الثانية، لاستغرق الأمر نحو 320 سنة ضوئية.
ألوان تكشف أسرار العناصر
الصورة تكشف تدرجات لونية بديعة، لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُرصد بوضوح باستخدام كاميرات متخصصة.
فاللون الأحمر يرمز إلى وجود غاز الهيدروجين، بينما يدل الأزرق على وجود غاز الأكسجين، وهما من أهم مكونات هذا السديم الانبعاثي، الذي يتوهج بفعل الإشعاع الصادر من النجوم الشابة العملاقة.
هذا التوهج لا ينبع من انعكاس ضوء خارجي، بل من عملية فيزيائية داخلية، حيث تنبعث الطاقة من تفاعلات نووية داخل نجوم فتية شديدة الحرارة، تثير الغازات المحيطة وتدفعها للتوهج، في مشهد يُشبه سيمفونية ضوئية بين المادة والطاقة.
مهد نجومٍ عملاقة أكبر من شمسنا
يُعد سديم “مخلب القط” من أنشط مناطق تشكُّل النجوم في مجرة درب التبانة. فهو بمثابة حضانة سماوية عملاقة، تُولد فيها نجوم يزيد حجمها عن الشمس بعشرات المرات، بعضها ما زال في طور التكوّن داخل أعماق الغاز الكثيف والغبار الكوني.
ولا يمكن للعين المجردة أو حتى التلسكوبات البصرية التقليدية رصد هذه العملية، لذا يستخدم الفلكيون تلسكوبات عاملة بالأشعة تحت الحمراء مثل “سبيتزر” و”جيمس ويب” لكشف خفايا هذا السديم، حيث تُسجل الأشعة القادمة من أعماق السحب التي تحجب الضوء العادي.
لماذا مخلب القط؟
تعود التسمية الغريبة إلى شكل السديم، الذي يشبه في الصور الأثرية أثر قدم قط عملاق مطبوع على صفحة السماء.
وتظهر في الصور المتعددة له “مخالب” ضوئية ملتفة، تتفرع من مركز التوهج، ما يمنحه طابعًا فنيًا فريدًا، ويجعله من أشهر الأجرام السماوية المصوّرة في علم الفلك المعاصر.
كيف ومتى يمكن رصده؟
يمكن رصد سديم “مخلب القط” خلال أشهر الصيف، خاصة من مواقع تقع في نصف الكرة الجنوبي أو في المناطق القريبة من خط الاستواء، إذ إن كوكبة العقرب تُرى بشكل واضح في تلك الفترة.
لكن نظرًا لبعد السديم الشاسع وكثافته الغبارية، لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، بل يحتاج إلى تلسكوبات موجهة مزودة بعدسات متخصصة أو أجهزة تعمل بالأشعة تحت الحمراء لكشف تفاصيله الداخلية.
رحم كوني يولد منه الضوء
سديم “مخلب القط” ليس مجرد بقعة مضيئة في السماء، بل هو مختبر كوني حيّ، يتجلى فيه مشهد الخلق، ويولد فيه النور من قلب العتمة. إنه رحم كوني حقيقي، تخرج منه أجيال من النجوم لتُضيء مجرتنا، وتذكّرنا كل مرة نحدق فيها في السماء، أن الكون لا يزال يكتب قصته، وأننا ما زلنا نقرأ الصفحة الأولى فقط.


