لطالما شكّلت حِيَل الخداع العسكري أداة حاسمة في الحروب، لتقليل الخسائر وتحقيق الانتصار عبر تضليل العدو وإجباره على التحرك في اتجاهات خاطئة. وخلال الحرب العالمية الثانية، لمع اسم وحدة أمريكية غريبة الأطوار حملت لقب “جيش الأشباح”، الذي استطاع بخدع مسرحية وأصوات مزيفة أن يخدع قادة الجيش النازي بوجود جيوش لا وجود لها على أرض الواقع.
وحدة استثنائية
حَسَبَ تقرير نشره موقع “ذا كولكتور” المتخصص في التاريخ، ضمت هذه الوحدة السرية 1,100 رجل فقط، لم يكونوا من الجنود المحترفين فحسب، بل من الفنانين التشكيليين، والمهندسين، ومصممي الديكور، والمذيعين، ومبدعي الإعلانات. استخدموا مُعِدَّات تمويه بدائية وأصواتاً مسجلة، ليصنعوا وهمًا بوجود قوات عسكرية قوامها 30,000 جندي في مناطق متعددة من أوروبا.
اعتمدت هذه القوة الفريدة على دبابات مطاطية، ومدافع خشبية، وأصوات قتال وهمية، حوّلت ساحات القتال إلى مسرحٍ للوهم والخداع العسكري، مما أربك الجيش الألماني بقيادة أدولف هتلر.
تقاليد الخداع عبر التاريخ
ترتكز هذه التكتيكات إلى جذورٍ ضاربة في التاريخ العسكري؛ من خداع جورج واشنطن للبريطانيين خلال حرب الاستقلال الأمريكية، إلى الدبابات الخشبية التي استخدمت في الحرب الأهلية الأمريكية، وصولاً إلى أبراج المراقبة الوهمية والمعدات المزيفة التي لجأ إليها البريطانيون في الحرب العالمية الأولى.
بريطانيا رائدة خدع الحرب الحديثة
مع سقوط فرنسا عام 1940، أصبحت بريطانيا في مواجهة مباشرة مع الماكينة العسكرية النازية. ولحماية مدنها، نفذت الحكومة البريطانية تعتيمًا شاملاً على المدن، وأنشأت ما عُرف بـ”مواقع نجم البحر” — وهي مساحات مضاءة تشبه المصانع والموانئ — لإبعاد القاذفات الألمانية عن الأهداف الحقيقية. ونجحت هذه الخدعة في دفع الألمان لإسقاط أكثر من ألف طن من القنابل على أهدافٍ وهمية.
كما طوّر البريطانيون في شمال أفريقيا تقنيات خداع متقدمة، حولوا فيها الدبابات إلى شاحنات والعكس، وتلاعبوا بمظهر المُعِدَّات العسكرية، مستعينين بخبراء من صناعة السينما. وبلغت ذروة عمليات الخداع البريطانية مع عملية “مينس مَيِّت” عام 1943، حينما ضلّلوا الألمان عبر جثة ضابط وهمي تحمل خطط غزو مزيفة.
ميلاد أساتذة التمويه
مع دخول الولايات المتحدة الحرب عقب الهجوم الياباني على بيرل هاربر، أعادت واشنطن تنظيم استخباراتها بتأسيس “مكتب الخدمات الاستراتيجية” (OSS) في 1942. وقبيل غزو الحلفاء لفرنسا، اقترح الضابطان رالف إنجرسول وبيلي هاريس تأسيس وحدة خداع خاصة.
وفي 20 يناير 1944، تأسست “وحدة القوات الخاصة للقيادة الـ23″، التي عُرفت لاحقاً باسم “جيش الأشباح”، وضمت ثلاث وحدات:
كتيبة الهندسة 603: مسؤولة عن تمويه ساحات القتال، وصناعة دبابات مطاطية وديكورات عسكرية.
وحدة الإشارة 3132: تولّت بث أصوات قتالية وهمية عبر مكبرات صوت ضخمة.
كتيبة القتال 406 بقيادة النقيب جورج ريب: نفّذت عمليات الخداع والتمويه الميدانية.
معارك الوهم
بعد إنزال النورماندي في يونيو 1944، بدأ “جيش الأشباح” عملياته الأولى، حيث نجح باستخدام أبسط الوسائل في إيهام الألمان بوجود جيشٍ أمريكي ضخم. وكانت مكبرات الصوت تبث على مدى 15 ميلاً أصوات تحركات مدرعات، وإنشاء جسور، وتحركات جنود. وارتدى أفراد الوحدة شارات وحدات مختلفة لإرباك عملاء الاستخبارات الألمانية.
كما نشروا شائعات كاذبة في القرى الفرنسية المحررة، لتمرر إلى الألمان، وشاركوا في حصار مدينة بريست، وساعدوا في تغطية تقدم الحلفاء بإنشاء معابر وهمية للأنهار.
وفي عملية “بيتميورج”، أوهموا الألمان بوجود فِرْقَة مدرعة أمريكية كاملة، ما أوقف هجوماً مضاداً وسمح للجنرال جورج باتون بسد الثغرات في خطوط الدفاع.
معركة الثغرة
في ديسمبر 1944، ومع شن الألمان معركة الأردين (الثغرة) المفاجئة، تدخل “جيش الأشباح” ضمن عملية “كوداك”. قاموا خلالها ببث رسائل وهمية توحي بأن القوات الأمريكية تتحول للدفاع والانسحاب، بينما كانت تستعد في الواقع لهجوم مضاد، ما أربك القيادة الألمانية وساعد في كسر الحصار عن قوات الحلفاء.
وكانت آخر عمليات “جيش الأشباح” في مارس 1945 ضمن عملية “فيرسن”، حين نجحوا في خداع الألمان لحشد قواتهم على بعد 20 ميلاً من موقع عبور الحلفاء الحقيقي لنهر الراين، في واحدة من أدق وأعقد عمليات الحرب.
تكريم بعد نصف قرن
على الرغْم من إنجازاته الحاسمة، ظل تاريخ “جيش الأشباح” طي الكتمان لأكثر من 50 عاماً. ومع عودتهم إلى الولايات المتحدة في يونيو 1945، تم حل الوحدة رسميًا في سبتمبر من العام نفسه. ولم يُكشف عن تفاصيل عملياتهم إلا في العقود الأخيرة.
وخلال سنوات الخدمة، لم تتجاوز خسائر الوحدة 3 قتلى و30 جريحاً، وهو رَقَم ضئيل للغاية بالنظر إلى التأثير الذي أحدثته على مجريات الحرب.
وفي مارس 2024، منح الكونجرس الأمريكي ثلاثة من الناجين من أعضاء الوحدة ميدالية الكونغرس الذهبية تكريماً لخدماتهم السرية البطولية.

